قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ ، والزيغ عن الوجهة التي وجه اللّه وجوههم نحوها من قول أو عمل . وخص خاتمهم محمدا صلى اللّه عليه وسلم فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز . وعصمة الرسل في التبليغ عن اللّه ، أصل من أصول الإسلام . شهد به الكتاب وأيدته السنة ، وأجمعت عليه الأمة . وما خالف فيه بعض الفرق ، فإنما هو في غير الإخبار عن اللّه وإبلاغ وحيه إلى خلقه . ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان ، حق لا يرتاب فيه ملّيّ يفهم ما معنى الدنى . ومع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانا يعملون على هدمه وتوهين ركنه . أولئك عشاق الرواة وعبدة النقل . نظروا نظرة في قوله تعالى
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ
الآية وفيما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما من أن ( تمنى ) بمعنى ( قرأ ) و ( الأمنية القراءة ) فعمي عليهم وجه التأويل ، على فرض صحة الرواية عن ابن عباس ، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم . فقيض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ ، وأعرضوا عنه ، وجفاه قومه وعشيرته ، لعيبه أصنامهم وزرايته على آلهتهم ، أخذه الضجر من إعراضهم . ولحرصه على إسلامهم تمنى ألا ينزل عليه ما ينفرهم ، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم . فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ( النجم ) إلى آخر ما رواه ابن جرير أولا . وقد شايعه عليه كثير من المفسرين ، وفي طباع الناس إلف الغريب ، والتهافت على العجيب . فولعوا بهذه التفاسير ، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها . وذهب إليه الأئمة في بيانها .
جاء في صحيح البخاريّ « 1 » : وقال ابن عباس في
إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
إذا حدث ألقي الشيطان في حديثه فيبطل اللّه ما يلقي الشيطان ويحكم اللّه آياته . ويقال ( أمنيته قراءته )
إِلَّا أَمانِيَّ
يقرءون ولا يكتبون . انتهى .
فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ ( يقال ) بعد ما فسرها بالحديث رواية عن ابن عباس . وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين . فما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهر العبارة . ثم حكاية تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ ( يقال ) يفيد أنه غير معتبر عنده . وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 22 - سورة الحج ، في الترجمة .