تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
11 ] ، وقوله تعالى عن إبراهيم
أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
[ الشعراء : 75 - 76 ] ، انتهى . وقال العارف ابن عربيّ في الباب التاسع والستين والثلاثمائة من ( فتوحاته ) في هذه الآية : المراد أنه محدث الإتيان ، لا محدث العين . فحدث علمه عندهم حين سمعوه . وهذا كما تقول حدث اليوم عندنا ضيف ، ومعلوم أنه كان موجودا قبل أن يأتي . وكذلك القرآن جاء في مواد حادثة تعلق السمع بها . فلم يتعلق الفهم بما دلت عليه الكلمات . فله الحدوث من وجه والقدم من وجه . فإن قلت : فإن الكلام للّه والترجمة للمتكلم . فالجواب نعم . وهو كذلك بدليل قوله تعالى مقسما ( إنّه ) يعني القرآن :
لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ *
[ الحاقة : 40 ] فأضاف الكلام إلى الواسطة والمترجم ، كما أضافه تعالى إلى نفسه بقوله :
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
[ التوبة : 6 ] ، فإذا تلي علينا القرآن فقد سمعنا كلام اللّه تعالى . وموسى لما كلمه ربه سمع كلام اللّه . ولكن بين السماعين بعد المشرقين . فإن الذي يدركه من يسمع كلام اللّه بلا واسطة ، لا يساويه من يسمعه بالوسائط . انتهى . وبالجملة فالمذهب المأثور عن أهل السنة والجماعة أئمة الحديث والسلف ، كما قاله ابن تيمية في ( منهاج السنة ) أن اللّه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء بكلام يقوم به . وهو متكلم بصوت يسمع . وأن نوع الكلام قديم ، وإن لم يجعل نفس الصوت المعيّن قديما . وبعبارة أخرى : أنه تعالى لم يزل متصفا بالكلام . يقول بمشيئته وقدرته شيئا فشيئا . فكلامه حادث الآحاد ، قديم النوع . ثم قال رحمه اللّه : فإن قيل لنا : فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب . قلنا نعم . وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل ومن لم يقل إن البارئ يتكلم ويريد ويحب ويبغض ويرضى ويأتي ويجيء - فقد ناقض كتاب اللّه . ومن قال : إنه لم يزل ينادي موسى في الأزل فقد خالف كلام اللّه مع مكابرة العقل . لأن اللّه تعالى يقول :
فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ
[ النمل : 8 ] ، وقال :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ] ، فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال . ثم قال رحمه اللّه : قالوا - يعني أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعيّ وأحمد وغيرهما - وبالجملة فكل ما يحتج به المعتزلة والشيعة مما يدل
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 175 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود