وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
أي بين الجهر والمخافتة ، أمرا وسطا . فإن خير الأمور أوساطها .
قال أبو السعود : والتعبير عن ذلك بالسبيل ، باعتبار أنه أمر يتوجه إليه المتوجهون ، ويؤمه المقتدرون ، ويوصلهم إلى المطلوب .
روى الشيخان « 1 » أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يرفع صوته بقراءته .
فإذا سمعها المشركون لغو وسبوا . فأمر بأن يتوسط في صوته ، كيلا يسمع المشركون ، وليبلغ من خلفه قراءته .
ثم بيّن سبحانه استحقاقه للحمد لاختصاصه بنعوت الكمال وصفات الجلال ، بقوله تعالى :
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً
أي لم يكن علة لموجود من جنسه ، لضرورة كون المعلول محتاجا إليه ، ممكنا بالذات ، معدوما بالحقيقة .
فكيف يكون من جنس الموجود حقّا ، الواجب بذاته من جميع الوجوه ؟
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ
أي من يساويه في قوة القهر والمملكة من الشريك في الملك .
وإلا لكانا مشتركين في وجوب الوجود والحقيقة . فامتياز كل واحد منهما عن الآخر ، لا بدّ وأن يكون بأمر غير الحقيقة الواجبة . فلزم تركبهما ، فكانا كلاهما ممكنين لا واجبين . وأيضا فإن لم يستقلا بالتأثير ، لم يكن أحدهما إلها . وإن استقل أحدهما دون الآخر فذلك هو الإله دونه ، فلا شريك له . وإن استقلا جميعا ، لزم اجتماع المؤثرين المستقلين على معلول واحد ، إن فعلا معا . وإلا لزم إلهية أحدهما دون الآخر ، رضي بفعله أو لم يرض . أفاده القاشانيّ .
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ
أي ناصر من الذل ومانع له منه ، لاعتزازه به . أو لم يوال أحدا من أجل مذلة به ، ليدفعها بموالاته
وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً
أي عظمه عن أن يلحقه شيء من هذه النقائص تعظيما جليلا .
تمّ ما علقناه على هذه السورة الكريمة ، ضحوة السبت في 26 شوال سنة 1323 في سدّة جامع السنانية بدمشق الشام . يسر اللّه لنا بعونه الإتمام ، والحمد للّه وحده .
تم الجزء السادس ، ويليه ، إن شاء اللّه تعالى ، الجزء السابع ، وفيه تفسير :
( 18 - سورة الكهف ، و 19 - سورة مريم ، و 20 - سورة طه ، و 21 - سورة الأنبياء ، و 22 - سورة المؤمنون ، 23 - سورة النور ، 24 - سورة الفرقان ، و 25 - سورة الشعراء ، و 26 - سورة النمل ) .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 17 - سورة الإسراء ، 14 - باب ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ، حديث 2020 عن ابن عباس .
وأخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث رقم 145 .