القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 61 إلى 62 ]
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 )
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ
أي بكفرهم ومعاصيهم التي منها ما عدد من المساوئ المتقدمة
ما تَرَكَ عَلَيْها
أي على الأرض المدلول عليها بالناس ، وبقوله تعالى :
مِنْ دَابَّةٍ
أي لأهلكها بالمرة بشؤم ظلم الظالمين
وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
أي وقت معين تقتضيه الحكمة . يستغفر منهم من يستغفر فيغفر له ، ويصرّ من يصرّ فيزداد عذابا
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ
أي المسمي
لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ
أي ينسبون إليه
ما يَكْرَهُونَ
أي من البنات ومن الشركاء . وهم يأنفون من الأولى كما يكرهون مشاركة أحد لهم في مالهم . وهو تكرير لما سبق ، تثنية للتقريع وتوطئة لقوله تعالى :
وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى
أي يجعلون للّه ذلك ، مع دعواهم أن لهم العاقبة الحسنى عند اللّه ، إن كان ثم معاد . كما قصه تعالى عنهم بقوله
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] ، يعني جمع هؤلاء بين عمل السوء وتمنّي المحال ، بأن يجازوا على ذلك حسنا .
وقد روي أنه وجد في أحد أحجار الكعبة ، لما جدّدت ، مكتوبا ( تعملون السّيّئات وتجزون الحسنات . أجل . كما يجتنى من الشوك العنب ) و
أَنَّ لَهُمُ
إلخ بدل من ( الكذب ) أو بتقدير بأن لهم .
قال الشهاب : قوله تعالى : قوله
وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ
من بليغ الكلام وبديعه كقولهم : ( عينها تصف السحر ) أي ساحرة . وقدها يصف الهيف ، أي هيفاء .
قال أبو العلاء المعرّى :
سرى برق المعرّة بعد وهن * فبات برامة يصف الكلالا
ثم ردّ كلامهم وأثبت ضده بقوله سبحانه
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ
أي معجّلون إليها ومقدّمون . من ( الفرط ) وهو السابق إلى الورد . يقال : أفرطته في طلب الماء إذا قدمته . أو متروكون منسيّون في النار . من ( أفرطته ) بمعنى تركته