تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
الأدلة المفضية إلى معالم الهدى . المنحّية عن فيافي الضلالة ومهاوي الردى . الثالثة - الضمير في
وَمِنْها جائِرٌ
للسبيل . فإنها تؤنث . أي : وبعض السبيل مائل عن الحق ، منحرف عنه ، لا يوصل سالكه إليه . وهو طرق الضلالة التي لا يكاد يحصى عددها ، المندرج كلها تحت الجائر . كقوله تعالى :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 153 ] . قال أبو السعود ، بعد ما تقدم أي : وعلى اللّه تعالى بيان الطريق المستقيم الموصل إلى الحق وتعديله ، بما ذكر من نصب الأدلة ليسلكه الناس باختيارهم ويصلوا إلى المقصد - وهذا هو الهداية المفسرة بالدلالة على ما يوصل إلى المطلوب . لا الهداية المستلزمة للاهتداء البتة . فإن ذلك مما ليس بحق على اللّه تعالى . لا بحسب ذاته ولا بحسب رحمته . بل هو مخلّ بحكمته ، حيث يستدعي تسوية المحسن والمسئ ، والمطيع والعاصي ، بحسب الاستعداد . وإليه أشير بقوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
أي لو شاء أن يهديكم إلى ما ذكر من التوحيد ، هداية موصلة إليه البتة ، مستلزمة لاهتدائكم أجمعين ، لفعل ذلك . ولكن لم يشأه . لأن مشيئته تابعة للحكمة الداعية إليها . ولا حكمة في تلك المشيئة . لما أن الذي عليه يدور فلك التكليف ، وإليه ينسحب الثواب والعقاب ، إنما هو الاختيار الذي عليه يترتب الأعمال ، التي بها نيط الجزاء . ولما كان أشرف أجسام العالم السفليّ ، بعد الحيوان ، النبات ، تأثر ما مرّ من الإنعام بالأنعام والدواب ، التي يستدل بها على وحدته تعالى ، بذكر عجائب أحوال النبات ، للحكمة نفسها . فقال سبحانه :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 10 إلى 11 ]

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 11 )
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ
أي المزن
ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ
يسكن حرارة العطش
وَمِنْهُ شَجَرٌ
أي ومنه يحصل شجر . والمراد به ما ينبت من الأرض ، سواء كان له ساق أو لا ،
فِيهِ تُسِيمُونَ
أي ترعون أنعامكم
يُنْبِتُ
أي اللّه عزّ وجلّ
لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ
أي الذي فيه قوت الإنسان
وَالزَّيْتُونَ
أي الذي فيه إدامه