تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
والسبب في هذا التوعد - كما قال الرازيّ - أن أهل الحقّ في كل زمان يكونون قليلين ، وأهل الباطل يكونون كثيرين . والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين . فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة . فإن قيل : يتوهم من لفظ ( العود ) أنهم كانوا في ملة الكفر قبل . أجيب : بأن ( عاد ) بمعنى صار . وهو كثير الاستعمال بهذا المعنى ، أو الكلام على ظنهم وزعمهم أنهم كانوا من أهل ملتهم قبل إظهار الدعوة . أو الخطاب للرسل ولقومهم ، فغلبوا عليهم في نسبة العود إليهم . وقوله تعالى :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ . . .
إلخ وعد صادق للرسل ، وبشارة حقة . كما قال تعالى :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ، وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
[ الصافات : 171 - 173 ] ، وقال تعالى :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا
[ الأعراف : 137 ] ، والآيات في ذلك كثيرة . والإشارة في ( ذلك ) إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين . وقوله
لِمَنْ خافَ . . .
إلخ ، أي : للمتقين لأنهم الموصوفون بما ذكر كقوله :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ *
[ الأعراف : 128 ] . و ( المقام ) إما موقف الحساب ، فهو اسم مكان ، وإضافته إليه سبحانه لكونه بين يديه ، أو مصدر ميميّ ، بمعنى : حفظي وقيامي لأعمالهم ليجازوا عليها . أو مقحم للتفخيم والتعظيم كما يقال : المقام العالي . وياء المتكلم في ( وعيد ) محذوفة للاكتفاء بالكسرة عنها في غير الوقف . قال السمين : أثبت الياء - هنا وفي ( ق ) في ( ق ) في موضعين :
كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ
[ ق : 14 ] ،
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
[ ق : 45 ] ، وصلا ، وحذفها وقفا - ورش عن نافع . وحذفها الباقون وصلا ووقفا . وقوله تعالى :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 15 ]

وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 )
وَاسْتَفْتَحُوا
أي : سألوا من اللّه الفتح على أعدائهم ، أو القضاء بينهم وبين أعدائهم . من ( الفتاحة ) وهي الحكومة كقوله :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
[ الأعراف : 89 ] ، فالضمير : للرسل ، وقيل : للكفرة ، وقيل : للفريقين فإنهم سألوا أن ينصر المحقّ ويهلك المبطل . وقوله :
وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
أي : فنصروا عند