صعاب على الناس ، لقوة القحط
يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ
أي ما رفعتم لهن من الحبوب المتروكة في سنابلها . ولما عبر عن البقرات بالسنين ، نسب الأكل إلى السنين . كما رأى في الواقعة البقرات يأكلن حتى يحصل التطابق بين المعبر وهو المرئيّ في المنام ، والمعبر به ، وهو تأويله . ولا يتعين المجاز العقليّ - أي يؤكل فيها - كما في :
( نهاره صائم ) لجواز أن يكون مشاكلة حينئذ .
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ
أي تحرزون وتخبئون للزراعة .
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
أي السنين الموصوفة بالشدة . وأكل الغلال المدخرة
عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ
أي يمطرون من الغيث ، أي يغاثون من القحط ، أو يرفع عنهم مكروهه من الغوث
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
أي ما كانوا يعصرونه على عادتهم من عنب وزيتون ونحوهما .
قال أبو السعود : والتعرض لذكر ( العصر ) ، مع جواز الاكتفاء عنه بذكر ( الغيث ) المستلزم له عادة ، كما اكتفى به عن ذكر تصرفهم في الحبوب ، إما لأن استلزام الغيث له ليس كاستلزامه للحبوب ، إذ المذكورات يتوقف صلاحها على مبادئ أخر غير المطر . وإما لمراعاة جانب المستفتي باعتبار حالته الخاصة به ، بشارة له ، وهي التي يدور عليها حسن موقع تغليبه على الناس ، في القراءة بالفوقانية . وقيل :
معنى ( يعصرون ) يحلبون الضروع . انتهى .
واللفظ بعموم معناه يشمله ، لأن الحلب فيه عصر الضرع ليخرج الدرّ .
قال الزمخشري : تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة ، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركا خصيبا ، كثير الخير ، غزير النعم ، وذلك جهة الوحي .
تنبيه :
قال في ( الإكليل ) : هذه الآية من أصول التعبير . وفيها أيضا صحة رؤيا الكفار ، وجواز تسميته ملكا ، وأن قولنا ( الرؤيا لأول عابر ) ليس عامّا في كل رؤيا ، لأنهم قالوا :
أَضْغاثُ أَحْلامٍ
، ولم تسقط بقولهم ذلك ، فتخص القاعدة بما يحتمل من الرؤيا وجوها فيعبر بأحدها ، فيقع عليه . وفي قوله :
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ . . .
إلخ زيادة على ما وقع السؤال عنه ، فيستدل به على أنه لا بأس بذلك في تعبير الرؤيا والفتوى . انتهى .