القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 3 ]
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ( 3 )
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
أي أبدعه طريقة ، وأعجبه أسلوبا ، وأصدقه أخبارا ، وأجمعه حكما وعبرا
بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
أي بإيحائنا إليك
هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ
أي عنه ، لم يخطر ببالك . والتعبير عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وقد جوز في هذا أن يكون مفعول نقص ، على أن ( أحسن ) نصب على المصدر . وأن يكون مفعول ( أوحينا ) على أن مفعول نقص ( أحسن ) أو محذوف . وأن يكون بدلا من ( ما ) على أنها موصولة أو خبر محذوف كذلك .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 4 ]
إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 )
إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ
يعني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام .
والظرف بدل من المفعول قبله بدل اشتمال ، أو مفعول لمحذوف .
يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
إنما ناجى يوسف أباه بهذه الرؤيا ، لاعتقاده كمال علمه ، وشفقته عليه ، بحيث لو كانت رؤياه تسوءه لأمكنه صرفها عنه .
قال القاشانيّ : هذه من المنامات التي تحتاج إلى تعبير ، لانتقال المتخيّلة من النفوس الشريفة التي عرض على النفس من الغيب سجودها له ، إلى الكواكب والشمس والقمر ، وما كانت في نفس الأمر إلا أبويه وإخوته . ( يا أبت ) أصله يا أبي ، فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة ، وكسرها لأنه عوض عن حرف يناسبها . وقرئ بفتحها لأنها حركة أصلها ، أو لأنه كان ( يا أبتا ) فحذف الألف ، وبقي الفتحة . وقرئ بالضم إجراء لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء ، من غير اعتبار التعويض .
وقوله : ( رأيتهم ) استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها ، فلا تكرير : أو تأكيد للأولى تطرية لطول العهد ، كما في قوله :
أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
[ المؤمنون : 35 ] ، وإنّما أجريت مجرى العقلاء في ضميرهم وجمع صفتهم جمعا سالما ، لوصفها بوصفهم ، وهو السجود .