تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
كان جاهلا باتفاق العقلاء ، فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه ! وغاية ما يقدر أن يكون كريّ الشكل ، واللّه تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله ، فإن السماوات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا . وأما قول القائل : إذا كان كريّا ، واللّه من ورائه محيط بائن عنه ، فما الفائدة في التوجه إلى العلوّ دون التحت ، ومع هذا نجد في قلوبنا قصد العلوّ ؟ فيقال : هذا إنما ورد لتوهم أن نصف الفلك يكون تحت الأرض ، وتحت ما على وجه الأرض ، من الآدميين والبهائم ، وهذا غلط . فلو كان الفلك تحت الأرض من جهة ، لكان تحتها من كل جهة ، فكان يلزم أن يكون الفلك تحت الأرض مطلقا ، وهذا قلب للحقائق إذ الفلك هو فوق الأرض مطلقا ، وأهل الهيئة يقولون : لو أن الأرض مخروقة إلى ناحية أرجلنا ، وألقي في الخرق شيء ثقيل كالحجر ونحوه ، لكان ينتهى إلى المركز ، حتى لو ألقي من تلك الناحية حجر آخر ، لالتقيا جميعا في المركز ، الذي هو النقطة المتوسطة في كرة الأرض . ولو قدر أن إنسانين التقيا في المركز بدل الحجر ، لالتقت رجلاهما ، ولم يكن أحدهما تحت الآخر ، بل كلاهما فوق المركز ، وكلاهما تحت الفلك . وإذا كان مطلوب أحد ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا ، لأن مطلوبه من تلك الجهة أقرب ، لأنه لو قدر أن رجلا أو ملكا يصعد إلى السماء ، كان صعوده مما يلي رأسه ، ولا يقول عاقل إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك الناحية ، أو يذهب يمينا أو شمالا ثم يصعد . ولو أن رجلا أراد مخاطبة القمر ، فإنه لا يخاطبه إلا من الجهة العليا ، مع أنه قد يشرق ويغرب ، فكيف بما هو فوق كل شيء لا يأفل ولا يغيب سبحانه وتعالى . وكما أن حركة الحجر تطلب مركزها بأقصر طريق ، وهو الخط المستقيم ، فالطلب الإرادي الذي يقوم بقلوب العباد ، كيف يعدل عن الصراط المستقيم ؟ .

مطلب في حديث الإدلاء

إلى أن قال : وحدث الإدلاء ، الذي رواه أبو هريرة وأبو ذر ، قد رواه الترمذي وغيره « 1 » من
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في : التفسير ، 57 - سورة الحديد ، ونصه : عن قتادة ، حدثنا الحسن عن أبي هريرة قال : بينما نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب . فقال نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « هل تدرون ما هذا » ؟ فقالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال « هذا العنان ، هذه روايا الأرض ، يسوقه اللّه تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه » قال « هل تدرون ما فوقكم » ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال « فإنها الرقيع ، سقف محفوظ وموج مكفوف » ثم قال « هل تدرون كم بينكم وبينها » ؟ قالوا : اللّه