ويكون محيطا بها ، وإما أن يكون فوقها ، وليس بكري . فإن كان الأول ، فمن المعلوم - باتفاق من يعلم هذا - أن الأفلاك مستديرة كرية ، وأن الجهة العليا هي جهة المحيط ، وهو المحدود ، وأن الجهة السفلى هي المركز ، وليس للأفلاك إلا جهتان :
العلوّ والسفل فقط . وأما الجهات الست فهي للحيوان ، فإن له ست جوانب : يؤم جهة فتكون أمامه ، ويخلف أخرى فتكون خلفه ، وجهة تحاذي شماله ، وجهة تحاذي يمينه ، وجهة تحاذي رأسه ، وجهة تحاذي رجليه . وليس لهذه الجهات في نفسها صفة لازمة ، بل هي بحسب النسبة والإضافة ، فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا ، ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا ، لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير ، فالمحيط هو للعلوّ ، والمركز هو السفل ، مع أن وجه الأرض التي وضعها اللّه تعالى للأنام ، وأرساها بالجبال ، هو الذي على الناس والبهائم وغيرهما . فأما الناحية الأخرى منها فالبحر محيط بها ، وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم . ولو قدر أن هناك أحدا ، لكان على ظهر الأرض ، ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة ، ولا من في هذه تحت من في هذه . كما أن الأفلاك محيطة بالمركز ، وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر ، ولا القطب الشماليّ تحت الجنوبيّ ، ولا بالعكس ، وإن كان الشماليّ هو الظاهر لنا بحسب بعد الناس عن خط الاستواء ، فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلا ، كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة ، وهو الذي يسمى عرض البلد . فكما أن جوانب الأرض المحيطة بها ، وجوانب الفلك المستدير ليس بعضها فوق بعض ولا تحته ، فكذلك من يكون على الأرض لا يقال إنه تحت أولئك ، وإنما هذا خيال يتخيله الإنسان ، وهو ( تحت ) إضافي . كما لو كانت نملة تمشي تحت سقف ، فالسقف فوقها ، وإن كانت رجلاها تحاذيانه ، وكذلك من علق منكوسا ، فإنه تحت السماء ، وإن كانت رجلاه تلي السماء وكذلك قد يتوهم الإنسان إذا كان في أحد جانبي الأرض أو الفلك ، أن الجانب الآخر تحته . وهذا أمر لا يتنازع فيه اثنان ممن يقول إن الأفلاك مستديرة . وهذا كما أنه قول أهل الهيئة والحساب ، فهو الذي عليه علماء المسلمين ، كما ذكره أبو الحسين المناوي وأبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم . وهو المأخوذ من قول ابن عباس وغيره . ومن ظن أن من يكون في الفلك من ناحية يكون تحته من في الفلك من الناحية الأخرى في نفس الأمر ، فهو متوهم عندهم . فإذا كان الأمر كذلك ، فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو أعلاها وسقفها وهو فوقها مطلقا ، فلا يتوجه إليه وإلى ما فوقه الإنسان إلا من العلوّ . ومن توجه إلى الفلك الثامن أو التاسع مثلا من غير جهة العلوّ ،
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 96
مساهمون: محمد جمال الدين القاسمي
ص٩٦