تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
في السماء ، على العرش من فوق سبع سماوات ، كما قالت الجماعة . وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم : ( إن اللّه في كل مكان ، وليس على العرش ) والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] ، ثم ساق عدة آيات في ذلك - وقال : هذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة . وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء ، وقولهم في تأويل
اسْتَوى
استولى ، فلا معنى له ، لأنه غير ظاهر في اللغة . ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة ، واللّه تعالى لا يغالبه أحد ، وهو الواحد الصمد . ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته ، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز ، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا تعالى ، إلا على ذلك ، وإنما يوجه كلام اللّه عزّ وجلّ على الأشهر والأظهر من وجوهه ، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم . ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ، ما ثبت شيء من العبادات . وجلّ اللّه أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين . والاستواء معلوم في اللغة مفهوم ، وهو العلوّ والارتفاع على الشيء ، والاستقرار والتمكن فيه . قال أبو عبيدة في قوله
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] ، قال : علا ، قال : تقول العرب : استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت . وقال غيره : استوى أي استقر ، واحتج بقوله تعالى :
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ، وَاسْتَوى
[ القصص : 14 ] ، انتهى شبابه واستقر ، فلم يكن في شبابه مزيد . قال ابن عبد البر : الاستواء : الاستقرار في العلوّ ، وبهذا خاطبنا اللّه تعالى في كتابه فقال :
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ
[ الزخرف : 13 ] ، وقال تعالى :
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
[ هود : 44 ] ، وقال تعالى :
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
[ المؤمنون : 28 ] ، وقال الشاعر :
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة * وقد حلّق النجم اليمانيّ فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأوّل فيه أحد ( استولى ) ، لأن النجم لا يستولي . وقد ذكر النضر بن شميل - وكان ثقة مأمونا جليلا في علم الديانة واللغة - قال : حدثني الخليل - وحسبك بالخليل - قال : أتيت أبا ربيعة الأعرابي ، وكان من أعلم ما رأيت ، فإذا هو على سطح ، فسلمنا ، فرد علينا السلام ، وقال : ( استووا ) فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال ، فقال لنا أعرابيّ إلى جانبه : إنه أمركم أن ترفّعوا ، فقال الخليل : هو من قول اللّه
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ *
[ البقرة : 29 ] ، فصعدنا إليه . قال : وأما من نزع منهم
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 78 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود