تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد توجه قافلا من تبوك ، حضرني بثّي ، وطفقت أتذكر الكذب ، وأقول : بم أخرج من سخطته غدا ؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي . فلما قيل إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أظل قادما ، زاح عني الباطل ، وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه . فأصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم - وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس - فلما فعل ذلك ، جاءه المتخلفون ، فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فيقبل منهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علانيتهم ، ويستغفر لهم ، ويكل سرائرهم إلى اللّه تعالى ، حتى جئت ، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ، ثم قال لي : تعال ! فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : ما خلفك ؟ ألم تكن قد اشتريت ظهرا ؟ فقلت : يا رسول اللّه ! إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر . لقد أعطيت جدلا ، ولكني ، واللّه لقد علمت ، لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ، ليوشكنّ اللّه أن يسخطك عليّ . ولئن حدثتك بصدق تجد عليّ فيه ، إني لأرجو عقبى ذلك من اللّه عزّ وجلّ . واللّه ما كان لي عذر ، واللّه ! ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي اللّه فيك ! فقمت ، وقام إليّ رجال من بني سلمة ، واتبعوني ، فقالوا لي : واللّه ! ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما اعتذر به المتخلفون ، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لك . قال : فو اللّه ! ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي . قال : ثم قلت لهم : هل لقي معي هذا أحد ؟ قالوا : نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك . فقلت : فمن هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العامريّ ، وهلال بن أمية الواقفيّ ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ، لي فيهما أسوة . قال : فمضيت حين ذكروهما لي . فقال : ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن كلامنا ، أيها الثلاثة ، من بين من تخلف . فاجتنبنا الناس ، وتغيروا لنا ، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم ، فكنت أشهد الصلاة مع
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 522 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود