تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
قال : وكنا أيها الثلاثة الذين خلّفنا عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حين خلفوا ، فبايعهم واستغفر لهم ، وأرجأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمرنا حتى قضى اللّه فيه ، فبذلك قال تعالى :
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
وليس الذي ذكر مما خلفنا عن الغزو ، وإنما هو تخليفه إيانا ، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له ، واعتذر إليه ، فقبل منه . و في رواية : ونهى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن كلامي ، وكلام صاحبيّ ، ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا ، فاجتنب الناس كلامنا ، فلبثت كذلك حتى طال عليّ الأمر ، فما من شيء أهمّ إليّ من أن أموت ، فلا يصلّ عليّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . أو يموت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأكون من الناس بتلك المنزلة ، فلا يكلمني أحد منهم ، ولا يصلّى عليّ ، ولا يسلّم عليّ . قال : وأنزل اللّه عز وجل توبتنا على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم حين بقي الثلث الأخير من الليل ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند أم سلمة ، وكانت أم سلمة محسنة في شأني ، معتنية بأمري . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا أم سلمة تيب على كعب بن مالك . قالت : أفلا أرسل إليه فأبشره ؟ قال : إذا يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليل . حتى إذا صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة الفجر ، آذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتوبة اللّه علينا - أخرجه البخاري ومسلم - . قال ابن كثير : هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته ، وقد تضمن تفسير الآية بأحسن الوجوه وأبسطها . الثاني - قال بعض المفسرين : في الآية دليل على الشدة على من فعل الخطيئة ، وعلى قطع ما يلهي عن الطاعة . الثالث - في الآية دلالة على التحريض على الصدق . قال القاشانيّ : في قوله تعالى هنا
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
أي في جميع الرذائل بالاجتناب عنها ، خاصة رذيلة الكذب . وذلك معنى قوله
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
فإن الكذب أسوأ الرذائل وأقبحها ، لكونه ينافي المروءة . وقد قيل : ( لا مروءة لكذوب ) إذ المراد من الكلام الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان إخبار الغير عما لا يعلم ، فإذا كان الخبر غير مطابق ، لم تحصل فائدة النطق ، وحصل منه اعتقاد غير مطابق ، وذلك من خواص الشيطنة فالكاذب شيطان . وكما أن الكذب أقبح الرذائل ، فالصدق أحسن الفضائل ، وأصل كل حسنة ، ومادة كل خصلة