تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
هو المسجد النبوي ، أي فالحديث ليس في معرض تعيين ما في الآية ، بل في بيان الأحق بهذا الوصف الآن . وقال السهروردي : كل منهما مراد ، لأن كلّا منهما أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه . والسر في إجابته صلّى اللّه عليه وسلّم السؤال عن ذلك ، دفع ما توهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء ، والتنويه بمزية هذا عن ذاك . الرابع - قال السهيلي ، نور اللّه مرقده : في الآية - يعني قوله تعالى :
مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
- من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين مع عمر رضي اللّه عنه حين شاورهم في التاريخ ، فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة ، لأنه الوقت الذي عزّ فيه الإسلام والحين الذي أمن فيه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبنيت المساجد ، وعبد اللّه كما يحب ، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل ، وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله تعالى
مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن . فإن كان الصحابة أخذوه من هذه الآية ، فهو الظن بهم ، لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب اللّه وأفهمهم بما في القرآن من الإشارات . وإن كان ذلك على رأي واجتهاد ، فقد علمه اللّه وأشار إلى صحته قبل أن يفعل ، إذ لا يعقل قول القائل : فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم ، أو شهر معلوم ، أو تاريخ معلوم . وليس ها هنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم ، لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو حال ، فتدبره ، ففيه معتبر لمن ادّكر ، وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر . الخامس - ( التأسيس ) وضع الأساس ، وهو أصل البناء ، وأوله ، وبه إحكامه ، ففي الآية شبّه التقوى والرضوان تشبيها مكنيّا مضمرا في النفس ، بما يعتمد عليه أصل البناء . و ( أسس بنيانه ) تخييل ، فهو مستعمل في معناه الحقيقي ، أو هو مجاز بناء على جوازه . فتأسيس البنيان بمعنى إحكام أمور دينه ، أو تمثيل لحال من أخلص للّه وعمل الأعمال الصالحة ، بحال من بنى بناء محكما مؤسسا يستوطنه ويتحصن به . أو ( البنيان ) استعارة أصلية ، و ( التأسيس ) ترشيح أو تبعية : و ( الشفا ) : الحرف والشفير . و ( جرف الوادي ) : جانبه الذي يتحفر أصله بالماء ، وتجرفه السيول ، فيبقى واهيا . و ( الهار ) : الهائر ، وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط . قيل : هو مقلوب ، وأصله ( هاور ) أو ( هاير ) . وقيل : حذفت عينه اعتباطا ، فوزنه ( فال ) . والإعراب على رائه كباب . وقيل : لا قلب فيه ولا حذف ، ووزنه في الأصل ( فعل )