تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 102 ]

وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 )
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
أي أقروا بها ، وهي تخلفهم عن الغزو ، وإيثار الدعة عليه ، والرضا بسوء جوار المنافقين . أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة ، كغيرهم
خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً
كالندم وما سبق من طاعتهم
وَآخَرَ سَيِّئاً
كالتخلف عن الجهاد
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
أي يقبل توبتهم
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه .

تنبيهات :

الأول - أخرج ابن مردويه وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال : غزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه ، ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا وندموا وأيقنوا بالهلاك وقالوا : نحن في الظلال والطمأنينة مع النساء ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون معه في الجهاد ! واللّه ! لنوثقن أنفسنا بالسواري ، فلا نطلقها حتى يكون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم هو الذي يطلقها : ففعلوا ، وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم ، فرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غزوته فقال : من هؤلاء الموثقون بالسواري ؟ فقال رجل : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا ، فعاهدوا اللّه ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم . فقال : لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم ، فأنزل اللّه
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
، فلما نزلت أطلقهم وعذرهم ، وبقي الثلاثة الذين لم يوثقوا أنفسهم ، لم يذكروا بشيء ، وهم الذين قال اللّه فيهم :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ . . .
الآية - فجعل أناس يقولون : هلكوا ؛ إذ لم ينزل عذرهم ، وآخرون يقولون : عسى اللّه أن يتوب عليهم ، حتى نزلت
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا . .
[ التوبة : 118 ] . و أخرج ابن جرير من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه ، وزاد : فجاء أبو لبابة وأصحابه بأموالهم حين أطلقوا ، فقالوا : يا رسول اللّه ! هذه أموالنا ، فتصدق بها عنا ، واستغفر لنا فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ، فأنزل اللّه :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً . .
[ التوبة : 103 ] الآية . وأخرج هذا القدر وحده عن سعيد بن جبير والضحاك وزيد بن أسلم وغيرهم . وأخرج عبد عن قتادة أنها نزلت في سبعة : أربعة منهم ربطوا أنفسهم