تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم ( نهاوند ) فقال الأعرابي : واللّه ! إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني ! فقال زيد : ما يريبك من يدي ، إنها الشمال ؟ فقال الأعرابي : واللّه ! ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال ؟ فقال زيد بن صوحان : صدق اللّه
الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ
. ثم أشار تعالى إلى فريق آخر من منافقي الأعراب ، بقوله :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 98 ]

وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 98 )
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً
أي يعدّ ما يصرفه في سبيل اللّه ، ويتصدق به صورة ، غرامة وخسرانا ، لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء لا لوجه اللّه عزّ وجلّ ، وابتغاء المثوبة عنده ، والغرامة والمغرم والغرم ( بالضم ) : ما ينفقه المرء من ماله وليس يلزمه ، ضررا محضا وخسرانا . وقال الراغب : الغرم ما ينوب الإنسان في ماله من ضرر لغير جناية منه
وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ
أي ينتظر بكم دوائر الدهر - جمع ( دائرة ) وهي النكبة والمصيبة تحيط بالمرء - فتربص الدوائر ، انتظار المصائب ، لينقلب أمر المسلمين ويتبدل ، فيخلصوا مما عدّوه مغرما
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
اعتراض بالدعاء عليهم ، بنحو ما يتربصونه ، أو إخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم . قال الشهاب : ( الدائرة ) اسم للنائبة ، وهي بحسب الأصل مصدر ، كالعافية والكاذبة . أو اسم فاعل بمعنى عقبة دائرة . والعقبة أصلها اعتقاب الراكبين وتناوبهما . ويقال : للدهر عقب ونوب ودول ، أي مرة لهم ومرة عليهم . و ( السوء ) يقرأ بضم السين وهو الضرر ، وهو مصدر في الحقيقة . يقال : سؤته سوءا ومساءة ومسائية . ويقرأ بفتح السين وهو الفساد والرداءة - قاله أبو البقاء -
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
أي لما يقولونه عند الإنفاق مما لا خير فيه
عَلِيمٌ
أي بما يضمرونه من الأمور الفاسدة التي منها تربصهم الدوائر . وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى . ثم نوّه تعالى بمؤمني الأعراب الصادقين ، بقوله سبحانه :