تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
جزية أو أخت الجزية . والجزية إنما وجبت في التاسعة . وأقول : هذا الحديث ضعفوه . والأقوى منه كون هذه السورة التي فيها هذه الآية نزلت في السنة التاسعة كما قدمنا . فإذا نسخت بالزكاة كانت الزكاة في تلك السنة أو بعدها قطعا . قال ابن حجر في ( الفتح ) : والظاهر أن ذلك كان في أول الأمر كما تقدم عن ابن عمر . واستدل له ابن بطال بقوله تعالى
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
[ البقرة : 219 ] ، أي ما فضل عن الكفاية ، فكان ذلك واجبا في أول الأمر ، ثم نسخ - واللّه أعلم - . وفي المسند « 1 » من طريق يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال : كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه الشدة . ثم يخرج إلى قومه ، ثم يرخص فيه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يسمع للرخصة ، ويتعلق بالأمر الأول . وما سقناه من مذهب أبي ذر ، هو ما ساقه المفسرون وشراح الحديث . وزعم بعضهم أن الذي حدا أبا ذر لذلك ما رآه من استئثار معاوية بالفيء حيث قال : الذي صح أن الخلفاء الراشدين رضي اللّه عنهم كانوا يعتبرون الفيء لكافة المسلمين ، يستوي فيه المقاتلون وغيرهم ، ولعله باعتبار أن القتال فريضة على كل المسلمين ، فكلهم داخل تحت ذلك الحكم . قال : والذي يؤيد أنه لكافة المسلمين ، أن أبا ذر رضي اللّه عنه لما كان بالشام ، والوالي عليها ، من قبل الخليفة عثمان ، معاوية رضي اللّه عنهما ، ورأى من معاوية ما يشعر بحرصه على ادخار المال في بيت المال ، لصرفه في وجوه المصالح التي يراها للمسلمين ، وكان أبو ذر مشهورا بالورع شديد الحرص على حقوق المسلمين ، يقول الحق ولو على نفسه . أخذ يتكلم بهذا الأمر بين الناس واتخذ له حزبا من أهل الشام يساعده على مطالبة معاوية برد المال للمسلمين ، وبيان عدم الرضا بكنزه في بيت المال ، لأي حال من الأحوال ، إلا لتوزيعه على كافة المسلمين لاشتراكهم بما أفاء اللّه عليهم أجمعين وتابعه على قوله جماعة كثيرون ، كانوا يجتمعون لهذا القصد سرّا وجهرا ، حتى كادت تكون فتنة ، فشكاه معاوية إلى الخليفة عثمان رضي اللّه عنهم أجمعين فنفاه إلى الربذة خوفا من حدوث ما لا تحمد عقباه . انتهى .
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 4 / 125 .