تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
أقيموا في الشمس في بعض أرض الشام ، فقال : ما شأن هؤلاء ؟ فقيل له أقيموا في الشمس في الجزية ! قال : فكره ذلك ، ودخل على أميرهم وقال : إني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : من عذب الناس عذبه اللّه . قال : وحدثنا هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب مرّ بطريق الشام وهو راجع في مسيره من الشام على قوم قد أقيموا في الشمس ، يصبّ على رؤوسهم الزيت ، فقال : ما بال هؤلاء ؟ فقال : عليهم الجزية لم يؤدوها ، فهم يعذبون حتى يؤدوها ! فقال عمر : فما يقولون هم وما يتعتذرون به في الجزية ؟ قالوا : يقولون لا نجد ! قال : فدعوهم لا تكلفوهم ما لا يطيقون . فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : لا تعذبوا الناس ، فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا ، يعذبهم اللّه يوم القيامة ، وأمر بهم فخلى سبيلهم . ثم قال : وحدثني عمير بن نافع عن أبي بكر قال : مرّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بباب قوم وعليه سائل يسأل ، شيخ ضرير البصر ، فضرب عضده من خلفه وقال : من أي أهل الكتاب أنت ؟ فقال : يهودي . قال : فما ألجأك إلى ما أرى ؟ قال : اسأل الجزية ، والحاجة والسن . قال : فأخذ عمر بيده ، وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل ، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال : انظر هذا وضرباءه ، فو اللّه ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ، ثم نخذله عند الهرم
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ
[ التوبة : 60 ] ، والفقراء هم المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل الكتاب . ووضع عنه الجزية وعن ضربائه . قال : قال أبو بكر : أنا شهدت ذلك من عمر ، ورأيت ذلك الشيخ . انتهى . الثامن - في الغرض من الجزية ورأفة المسلمين بمن أظلوهم بسيوفهم . قال الإمام الشيخ محمد عبده مفتي مصر في كتاب ( الإسلام والنصرانية ) في هذا المعنى ، تحت بحث المقابلة بين الإسلام الحربيّ ، المسيحية السلمية ، ما نصه ص 74 : الإسلام الحربي ، كان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه ، ثم يترك الناس ، وما كانوا عليه من الدين ، يؤدون ما يجب عليهم في اعتقادهم كما شاء ذلك الاعتقاد ، وإنما يكلفهم بجزية يدفعونها ، لتكون عونا على صيانتهم ، والمحافظة على أمنهم في ديارهم ، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار ، لا يضايقون في عمل ، ولا يضامون في معاملة . خلفاء المسلمين ،