تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
وتحرير الخبر عنهم أنه كان وفد وفدهم على رسول اللّه ودعاهم إلى الإسلام ، فأبوا ، وسألوه الصلح ، وأن يقبل منهم الجزاء ، فصالحهم على شيء معلوم ، يؤدونه كل سنة للمسلمين وكتب لهم بذلك كتابا جعل لهم فيه ذمة اللّه وعهده ، وأن لا يفتنوا عن دينهم ، ومراتبهم فيه ، ولا يحشروا ، ولا يعشروا ، وأن يؤمنوا على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعيرهم ، وبعثهم وأمثلتهم . لا يغير ما كانوا عليه ، ولا يغير حق من حقوقهم ، ولا يطأ أرضهم جيش ومن سأل منهم حقّا فبينهم النصف ، غير ظالمين ولا مظلومين ، ولهم على ذلك جوار اللّه ، وذمة رسوله أبدا ، حتى يأتي أمر اللّه ، ما نصحوا وأصلحوا . واشترط عليهم أن لا يأكلوا الربا ، ولا يتعاملوا به . ولما توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واستخلف أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، أقرهم على حالهم ، وكتب لهم كتابا على نحو كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع أنه كان يتخوفهم ، ويود إجلاءهم ، لما روي « 1 » أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يبقين في جزيرة العرب دينان » . ولما حضر أبا بكر الوفاة ، أوصى عمر بن الخطاب بإجلائهم لنقضهم العهد بإصابتهم الربا . فانظر كيف أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يرى أن لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ، لأن العرب أمة حديثة عهد بالإسلام ، قد عانى صلّى اللّه عليه وسلّم ما عانى في جمع كلمتها ، وتوحيد وجهتها ، فمن الخطر أن يوجد بين ظهرانيها قوم يدينون بغير دينها ، فيفتنون من جاورهم عن الإسلام ، على حداثة عهدهم فيه ، وعدم تمكنهم بعد من أصوله الصحيحة . هذا من وجه ، ومن وجه آخر ، فإن النجرانيين كانوا يتاجرون بالربا ، ولا يخفى ما فيه من الضرر على من جاورهم من أهل اليمن ، الذين ينضب التعامل بالربا معين ثروتهم ، ويؤذن بفقرهم ، على غير شعور منهم ، لا سيّما وأن الشريعة الإسلامية قد حرمته تحريما باتّا ، ولا يؤمن من أن النجرانيين ، باستمرارهم على تعاطي الربا ، يحملون بعض من جاورهم من المسلمين على ارتكاب الإثم بالتعامل معهم بالربا . ومع هذه الأسباب التي تلجئ إلى إكراه النجرانيين على الإسلام ، فإن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام مالك في الموطأ مرسلا في : الجامع ، الحديث رقم 17 و 18 و 19 . وأخرجه الإمام أحمد في المسند ص 275 ج 6 عن عائشة متصلا .