تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
[ الزخرف : 23 ] ، والقائلون :
وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
. والمقلد ، لولا اغتراره بكونه وجد آباءه على ذلك المذهب ، مع اعتقاده بأنه الذي أمر اللّه به ، وأنه الحق - لم يبق عليه . وهذه الخصلة هي التي بقي بها اليهوديّ على يهوديته ، والنصراني على نصرانيته ، والمبتدع على بدعته . فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية والنصرانية والبدعة ، وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر اللّه به ، ولم ينظروا لأنفسهم ولا طلبوا الحق كما يجب ، ولا بحثوا عن اللّه كما ينبغي . وهذا هو التقليد البحت ، والقصور الخالص . ثم قال : وإن من أعجب الغفلة وأعظم الذهول عن الحق ، اختيار المقلدة لآراء الرجال ، مع وجود كتاب اللّه ووجود سنة رسوله بين ظهرانيهم ، ووجود من يأخذونهما عنه بين أيديهم ، ووجود آلة الفهم لديهم ، وملكة العقل عندهم - انتهى - . ولما نفى ما تقوّلوه عليه ، وأخبر أنه لا يأمر بالفحشاء ، بيّن ما أمر به بقوله تعالى :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 29 ]

قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 )
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
أي : بالعدل . وللسلف فيه هنا وجوه : ما ظهر في العقول كونه حسنا ، أو التوحيد ، أو كلمة الإخلاص . وعن أبي مسلم : جميع الطاعات . قال الحاكم : وهو الوجه : ولا يخفى أن الجميع مما يشمله ( القسط ) فلا منافاة .
وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
معطوف على الأمر الذي ينحلّ إليه المصدر مع ( أن ) . أي : بأن أقسطوا وأقيموا ، والمصدر ينحل إلى الماضي والمضارع والأمر ، كما نقله المعرب . أو معطوف على
أَمَرَ رَبِّي
أي : قل أقيموا . قال الجرجانيّ : الأمر معطوف على الخبر ، لأن المقصود لفظه ، أو لأنه إنشاء معنى . انتهى - و ( الوجوه ) مجاز عن الذوات . ومسجد إما مصدر ، والوقت مقدر قبله ، و ( عند ) بمعنى ( في ) . أي : أقيموا ذواتكم في كل وقت سجود ، وذلك بمنعها عن الالتفات إلى الغير فيه ، وبمراعاة موافقة الأمر مع صدق النية ، أو باستقبال القبلة فيه . وإما اسم زمان أو مكان بالمعنى اللغوي ، أي في كل وقت سجود أو مكانه . والسجود على هذه الأوجه مجاز عن الصلاة ، أو المسجد هو المصطلح عليه . والمعنى : في أيّ
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 35 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود