تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
وقوله
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ
تعليل للأمر بالنبذ ، إما باعتبار استلزامه النهي عن مناجزة القتال ، لكونها خيانة ، فيكون تحذيرا له صلّى اللّه عليه وسلّم منها ، وإما باعتبار استتباعه للقتال ، فيكون حثّا له صلّى اللّه عليه وسلّم على النبذ أولا ، وعلى قتالهم ثانيا ، كأنه قيل . وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم ، ثم قاتلهم ، إنّ اللّه لا يحب الخائنين ، وهم من جملتهم ، لما علمت من حالهم . أفاده أبو السعود .

تنبيه :

دلت الآية على جواز معاهدة الكفار لمصلحة ، ووجوب الوفاء بالعهد إذا لم يظهر منهم أمارة الخيانة ، وتدل على إباحة نبذ العهد لمن توقع منهم غائلة مكر ، وأن يعلمهم بذلك ، لئلا يعيبوا علينا بنصب الحرب مع العهد . روى أصحاب السنن « 1 » أنه كان بين معاوية وبين الروم عهد ، وكان يسير نحو بلادهم ليقرب ، حتى إذا انقضى العهد غزاهم . فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول : اللّه أكبر ! اللّه أكبر ! وفاء لا غدر . فإذا هو عمرو بن عبسة ، فأرسل إليه معاوية فسأله ، فقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : من كان بينه وبين قوم عهد ، فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها ، أو ينبذ إليهم على سواء : فرجع معاوية . و روى الإمام أحمد « 2 » عن سلمان الفارسي أنه انتهى إلى حصن أو مدينة ، فقال لأصحابه : دعوني أدعوهم كما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعوهم ، فقال : إنما كنت رجلا منكم فهداني اللّه عزّ وجلّ للإسلام ، فإن أسلمتم فلكم مالنا ، وعليكم ما علينا ، وإن أنتم أبيتم ، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون ، فإن أبيتم نابذناكم على سواء ، إن اللّه لا يحب الخائنين . يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع غدا الناس إليها ففتحوها . هذا ، وما ذكر من وجوب إعلامهم ، إنما هو عند خوف الخيانة منهم وتوقعها ، كما هو منطوق الآية . وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فلا حاجة للإمام إلى نبذ العهد ، بل يفعل كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة ، وهم في ذمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلم يرعهم إلا وجيش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمرّ الظهران ، وذلك على أربعة فراسخ من مكة .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 152 - باب في الإمام يكون بينه وبين العدّ عهد فيسير إليه ، حديث رقم 2759 . وأخرجه الترمذي في : السير ، 27 - باب ما جاء في الغدر . ( 2 ) أخرجه في المسند 5 / 440 .