أن يتقي نقض العهد ، حتى يسكن الناس إلى قوله ، ويثقون بكلامه . فبيّن اللّه عزّ وجلّ أن من جمع بين الكفر ونقض العهد ، فهو شرّ من الدواب .
ثم شرع تعالى في بيان أحكام الناقضين ، بعد تفصيل أحوالهم ، بقوله :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 57 ]
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 )
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ
أي فإما تصادفنهم وتظفرنّ بهم
فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ
أي فرّق بهم من وراءهم من المحاربين يعني : بأن تفعل بهم من النكال وتغليظ العقوبة ، ما يشرّد غيرهم خوفا ، فيصيروا لهم عبرة . كما قال :
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
أي لعل المشرّدين يتعظون بما شاهدوا ما نزل بالناقضين ، فيرتدعوا عن النقض أو عن الكفر . قال في ( التاج ) : وقيل : معنى
فَشَرِّدْ بِهِمْ
فسمّع بهم ، وقيل : فزّع بهم ، ولا يخفى أن هذه المعاني متقاربة . وأصل التشريد الطرد والتفريق .
ويقال . شرد به تشريدا ، سمّع الناس بعيوبه . قال :
أطوّف بالأباطح كلّ يوم * مخافة أن يشرّد بي حكيم
معناه أنّ يسمّع بي و ( حكيم ) رجل من بني سليم كانت قريش ولّته الأخذ على أيدي السفهاء .
استشهد به في اللسان في مادة ( ش ر د ) .
وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 58 ]
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 )
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً
بيان لأحكام المشرفين إلى نقض العهد ، إثر بيان الناقضين له بالفعل . و ( الخوف ) مستعار للعلم . أي : وإما تعلمن من قوم من المعاهدين نقض عهد فيما سيأتي ، بما لاح لك منهم من دلائل الغدر ، ومخايل الشرّ
فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ
أي فاطرح إليهم عهدهم
عَلى سَواءٍ
أي على طريق مستو قصد ، بأن تظهر لهم النقض ، وتخبرهم إخبارا مكشوفا بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة ، ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد ، كي لا يكون من قبلك شائبة خيانة أصلا ، وإن كانت في مقابلة خيانتهم .