ثم قال : وبالجملة فعلى المؤمن أن يعلم أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم لم يترك شيئا يقرّب إلى الجنة ، إلا وقد حدث به ، ولا شيئا يبعد عن النار ، إلا وقد حدث به . وإن هذا السماع ، لو كان مصلحة ، لشرعه اللّه ورسوله ، فإن اللّه يقول :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . .
[ المائدة : 3 ] الآية . وإذا وجد السامع به منفعة لقلبه ، ولم يجد شاهد ذلك من كتاب اللّه ولا من سنة رسوله ، لم يلتفت إليه . كما أن الفقيه إذا رأى قياسا لا يشهد له الكتاب والسنة ، لم يلتفت إليه انتهى .
وقد سلف لنا شيء من هذا البحث عند قوله تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
فليراجع .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 36 ]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( 36 )
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
نزلت فيمن ينفق على حرب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من المشركين ، وبيان سوء مغبة هذا الإنفاق ، وقد ذهب الضحاك إلى أنه عني بها المطعمون منهم يوم بدر ، وكانوا اثني عشر رجلا من قريش ، يطعم كل واحد منهم ، كل يوم عشرة جزر .
وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي سفيان ، ونفقته الأموال في ( أحد ) لقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم .
روى محمد بن إسحاق عن الزهري أنه لما أصيبت قريش يوم بدر ، ورجع فلّهم إلى مكة ، ورجع أبو سفيان بعيره ، مشى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر ، فكلموا أبا سفيان ، ومن كانت له في تلك العير تجارة ، قالوا : يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم ، وقتل خياركم ، فأعينونا بهذا المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا ، ففعلوا . قال : ففيهم ، كما ذكر عن ابن عباس ، أنزلت الآية .
ولا يخفى شمول الآية لجميع ذلك . واللام في ( ليصدوا ) لام الصيرورة ، ويصح أن تكون للتعليل ، لأن غرضهم الصد عما هو سبيل اللّه بحسب الواقع ، وإن لم يكن كذلك في اعتقادهم . وسبيل اللّه طريقه وهو دينه ، واتباع رسوله ، ولما تضمن الموصول معنى الشرط ، والخبر بمنزلة الجزاء ، وهو
فَسَيُنْفِقُونَها
اقترن