ولم يذكر المسؤول عنه ، وهو ( الساعة ) اكتفاء بما تقدم فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا ، فقال :
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ
. ويلاحظ هذه في تلخيص الكلام بعد بسطه . ومن أدق ما وقفت عليه العرب في هذا النمط من التكرير لأجل بعد العهد ، تتطرية للذكر ، قوله :
عجّل لنا هذا وألحقنا بذا ال * شحم إن قد مللناه بجل
أي فقط ، فذكر الألف واللام ، خاتمة للأول من الرجزين ، ثم لما استفتح الرجز الثاني ، استبعد العهد بالأولى ، فطرّي ذكرها ، وأبقى الأول في مكانها . ومن ثم استدلّ ابن جني . على أن ما كان من الرجز على ثلاثة أجزاء ، فهو بيت كامل ، وليس بنصف ، كما ذهب إليه أبو الحسن . قال : ولو كان بيتا واحدا ، لم يكن عهد الأولى متباعدا ، فلم يكن محتاجا إلى تكريرها . ألا ترى أن عبيدا لما جاء بقصيدة طويلة الأبيات ، وجعل آخر المصراع الأول ( أل ) لم يعدها أول المصراع الثاني ، لأنها بيت واحد ، فلم ير عهدها بعيدا ، وذلك قول عبيد بن الأبرص الأسدي :
يا خليليّ أربعا واستخبرا ال * منزل الدّارس عن أهل الحلال
مثل سحق البرد عفّى بعدك ال * قطر مغناه وتأويب الشّمال
( أربعا : أقيما . الحلال : اسم امرأة . سحق البرد : يريد مثل البرد المسحوق أي البالي . وعفى ، بالتشديد : محا . القطر : المطر . مغناه . هو الموضع الذي كانوا يسكنونه . والشمال - بالفتح والكسر - من الرياح ، ما مهبّه من مطلع الشمس وبنات نعش . وهي لا تكاد تهب ليلا . وتأويبها : هبوبها النهار كله ) ثم استرسل فيها كذلك بضعة عشر بيتا . فانظر هذه النكتة ، كيف بالغت العرب في رعايتها ، حتى عدت القريب بعيدا ، والمتقاصر مديدا . فتأملها فإنها تحفة إنما تنفق عند الحذاق الأعيان ، في صناعتي العربية والبيان ، واللّه المستعان - انتهى - .
( والقصيدة بتمامها في ( مختارات ابن الشجريّ ) بالصفحة رقم 37 ) ثم أمره تعالى أن يخبر بعبوديته الكاملة ، بما ينبئ عن عجزه عن علم الساعة بقوله سبحانه :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 188 ]
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 188 )
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا
أي لا أقدر ، لأجل نفسي ، على جلب نفع مّا ،