محمرّة ، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودّة . حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام . فنزل رملة فلسطين . وتخلف رجل من أصحابه يقال له ( ميدع بن هرم ) فنزل قرح - وهي وادي القرى ، وبين القرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلا - فنزل على سيدهم رجل يقال له ( عمرو بن غنم ) وقد كان أكل من لحم الناقة ولم يشرك في قتلها . فقال له ميدع بن هرم : يا عمرو بن غنم ، اخرج من هذا البلد ، فإن صالحا قال : من أقام فيه هلك ، ومن خرج منه نجا .
فقال عمرو : ما شركت في عقرها ، وما رضيت ما صنع بها .
فلما كانت صبيحة الأحد ، أخذتهم الصيحة ، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك . إلا جارية مقعدة يقال لها ( الزّريعة ) وهي الكلبة ابنة السّلق . كانت كافرة شديدة العداوة لصالح ، فأطلق اللّه لها رجليها بعد ما عاينت العذاب أجمع . فخرجت كأسرع ما يرى شيء قط . حتى أتت أهل قرح فأخبرتهم بما عاينت من العذاب وما أصاب ثمود منه ، ثم استسقت من الماء فسقيت ، فلما شربت ماتت .
الثاني - قال الرازي : زعم بعض الملحدين أن ألفاظ التنزيل في حكاية هذه الواقعة اختلفت ، وهي الرجفة والطاغية والصيحة . والجواب ما قاله أبو مسلم : إن الطاغية اسم لكل ما تجاوز حده ، سواء كان حيوانا أو غير حيوان ، وألحق الهاء به للمبالغة . فالمسلمون يسمون الملك العاتي بالطاغية والطاغوت . وقال تعالى :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
[ العلق : 6 - 7 ] . ويقال طغى طغيانا ، وهو طاغ وطاغية . وقال تعالى :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها
[ الشمس : 11 ] . وقال في غير الحيوان :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ
[ الحاقة : 11 ] ، أي : غلب وتجاوز عن الحد . وأما الرجفة فهي الزلزلة في الأرض ، وهي حركة خارجة عن المعتاد ، فلم يبعد إطلاق اسم الطاغية عليها . وأما الصيحة ، فالغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة العظيمة الهائلة . وأما الصاعقة ، فالغالب أنها الزلزلة ، وكذلك الزجرة ، قال تعالى :
فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ
[ النازعات : 13 - 14 ] . فبطل ما زعمه ذلك البعض .
الثالث - قال علماء التفسير : ولم يبق من ذرية ثمود أحد ، سوى صالح عليه السلام ، ومن تبعه رضي اللّه عنهم . إلا أن رجلا يقال له أبو رغال . كان ، لما وقعت النقمة بقومه ، مقيما إذ ذاك في الحرم ، فلم يصبه شيء ، فلما خرج في بعض الأيام إلى الحلّ ، جاءه حجر من السماء فقتله .