تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
كأجسامنا ، لا تتفاوت عنها تفاوتا كبيرا ، مساكن ثمود قوم صالح الباقية ، وآثارهم البادية . ومثله ، بل أعرق منه في الوهم ، ما ينقلونه في وصف عوج بن عنق الجبار ملك بيسان ، من أنه كان يحتجز بالسحاب ويشرب منه من طوله ، ويتناول الحوت من قرار البحر ، فيشويه بعين الشمس ، يرفعه إليها . والحال أن الشمس كوكب لا مزاج له من حر أو برد ، وإنما حرارتها من انعكاس شعاعها ، بمقابلة سطح الأرض والهواء ، فشدة حرارتها في الأرض ، وتتناقص الحرارة فيما علا عنها بمقدار الارتفاع . وقد أنكر العلامة ابن خلدون جميع ذلك في ( مقدمة تاريخه ) ، وأبان أن الذي أدخل الوهم على الناس في طول الأقدمين هو ما يشاهدونه من بعض آثارهم الجسمية ، ومصانعهم العظيمة ، كأهرام مصر وإيوان كسرى ، فيتخيلون لأصحابها أجساما تناسب ذلك . والحال أن عظم هذه المصانع والآثار في أمة من الأمم ناشئ عن عظم ذواتها ، وإساع ممالكها ، وقوة شوكتها ، ونماء ثروتها ، واستعانتها بالماهرين في فنّ جرّ الأثقال ، فإنه يقوم بحمل ما تعجز القوى البشرية عن عشر معشاره . وأنكر أيضا ما ينقلون من قصة جنة عاد ، وأنها مدينة عظيمة قصورها من الذهب ، وأساطينها من الزبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الشجر والأنهار المطردة ، وأنها بنيت في مدة ثلاثمائة سنة في صحارى عدن . بناها شداد بن عاد حيث سمع وصف الجنة . وأنها لما تم بناؤها ، أرسل اللّه على أهلها صيحة ، فهلكوا كلهم ، وأن اسمها ( إرم ذات العماد ) وأنها المشار إليها بقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
[ الفجر : 6 - 8 ] ويزعمون أنه لم تزل باقية في بلاد اليمن ، وإنما حجبت عن الأبصار . وحيث إن ذلك لم يرو عن الصادق الأمين فلا نعول عليه ، ولا نلتفت إليه . وأغلب المولعين بنقل مثل هذه الغرائب المصنعة ، هم المؤرخون الذين يعتمدون على أخبار بني إسرائيل ، ويقلدونهم من غير برهان ودليل ، واللّه الهادي إلى سواء السبيل - كذا أفاده بعض المحققين - . ثم أخبر تعالى عن تمرد عاد وطغيانهم وإنكارهم على هود عليه السلام ، بقوله سبحانه :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 70 ]

قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 70 )
قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ
أي لنخصه بالعبادة
وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا