تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 149 ]

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 )
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات . ومنه : ( أيمان بالغة ) أي : مؤكدة . أو ( البالغة ) التي بلغ بها صاحبها صحة دعواه فهي ( كعيشة راضية ) .
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
أي : ولكنه لم يشأ ذلك . بل شاء هداية بعض صرفوا اختيارهم إلى سلوك طريق الحقّ . وضلال آخرين صرفوا كسبهم إلى خلاف ذلك ، من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم ، فوقع ذلك على الوجه الذي شاءه . قال الإمام أبو منصور الماتريدي في ( تأويلاته ) : قيل : الآية في مشركي العرب . قالوا ذلك حين لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم في تحريم ما حرّموا من الأشياء . وأضافوا ذلك إلى اللّه ، وهو صلة قوله
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
- إلى قوله -
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا
[ الأنعام : 143 - 144 ] . فلما لزمتهم المناقضة وانقطع حجاجهم فزعوا إلى هذا القول
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا . .
[ الأنعام : 148 ] . انتهى . والقصد : الاعتذار عن كل ما يقدمون عليه من الإشراك وتحريم الحلال . أي : ولكنه لم يشأ الترك وشاء الفعل ، ففعلنا طوع مشيئته ، وهو لا يشاء إلا الحق ، لأنه قادر . فلو لم يكن حقّا يرضاه لمنعنا منه . وهو لم يمنعنا منه فهو حقّ . وفي حكاية هذه المناظرة والمجادلة بيان لنوع من كفرهم شنيع جدّا . . !

تنبيه :

هذه الآية تكرر نظيرها في التنزيل الكريم في عدة سور ، وهي من الآيات الجديرة بالتدبر لتمحيص الحق في المراد منها . فقد زعم المعتزلة أن فيها دلالة واضحة لمذهبهم من أن اللّه لا يشاء المعاصي والكفر ، كما تبجّح بذلك منهم الطبرسي الشيعي في ( تفسيره ) وقال : إن فيها تكذيبا ظاهرا لمن أضاف مشيئة ذلك إلى اللّه سبحانه ؛ وكذا الزمخشري في ( تفسيره ) . ومعلوم أنّ عقيدة الفرقة الناجية ، الإيمان بأن : ما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأنه ما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلّا بمشيئة اللّه سبحانه ، لا