تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
لها من الأعمدة . يقال : عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكا تعطف عليه القضبان .
وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ
متروكات على وجه الأرض لم تعرش . ( و ) أنشأ
النَّخْلَ
المثمر لما هو فاكهة وقوت ،
وَالزَّرْعَ
المحصل لأنواع القوت
مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ
أي : ثمره وحبّه في اللون والطعم والحجم والرائحة .
وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً
في اللون والشكل ، ورقهما
وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ
في الطعم
كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ
أي : كلوا من ثمر كل واحد مما ذكر ، إذا أدرك . قال الرازي : لما ذكر تعالى كيفية خلقه لهذه الأشياء ، ذكر ما هو المقصود الأصليّ من خلقها ، وهو انتفاع المكلفين بها ، فقال :
كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ
واختلفوا ما الفائدة منه ؟ فقال بعضهم : الإباحة . وقال آخرون : بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق ، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله ، لمكان شركة المساكين فيه ، بل هذا هو الظاهر . فأباح تعالى هذا الأكل ، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من هذا التصرف . وقال بعضهم : بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم إما الأكل ، وإما التصدق ، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق ، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير . قال تعالى :
وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
[ القصص : 77 ] انتهى .
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
قرئ بفتح الحاء وكسرها . وهذا أمر بإيتاء من حضر يومئذ ما تيسر ، وليس بالزكاة المفروضة - هكذا قال عطاء - أي : لأن السورة مكية ، والزكاة إنما فرضت بالمدينة . وكذا قال مجاهد : إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه . وفي رواية عنه : عند الحصاد يعطي القبضة ، وعند الصرام يعطي القبضة ويتركهم يتبعون آثار الصرام . وهكذا روي عن نافع وإبراهيم النخعي وغيرهم . وعند هؤلاء أن هذا الحق . باق لم ينسخ بالزكاة ، فيوجبون إطعام من يحضر الحصاد لهذه الآية . ومما يؤيده أنه تعالى ذم الذي يصرمون ولا يتصدقون ، حيث قصّ علينا سوء فعلهم وانتقامه منهم . قال تعالى في سورة ( ن ) :
إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
[ القلم : 17 - 20 ] أي : كالليل المدلهمّ ، سوداء محترقة .
فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ . . .
[ القلم : 21 - 24 ] الآيات . وذهب بعضهم إلى أن هذا الحق نسخ بآية الزكاة ، حكاه ابن جرير عن ابن عباس وثلة من التابعين .