تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
شيئا ثم تبادروا فيه وأسرفوا ، فنزلت
وَلا تُسْرِفُوا
. وقال ابن جريج : نزلت في ثابت ابن قيس بن شماس . جدّ نخلا له فقال : لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته ، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة ، فنزلت . ولذا قال السدّي : أي : لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء . وإما في الأكل قبل الحصاد ، وهذا عن أبي مسلم قال : ولا تسرفوا في الأكل قبل الحصاد كيلا يؤدي إلى بخس حق الفقراء . وإما في كل شيء ، قال عطاء : نهوا عن السرف في كل شيء . وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر اللّه ، فهو سرف . اختار ابن جرير قول عطاء . قال ابن كثير : ولا شك أنه صحيح ، لكن الظاهر - واللّه أعلم - من سياق الآية ، حيث قال تعالى
كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ
أن يكون عائدا على الأكل . أي : لا تسرفوا في الأكل ، لما فيه من مضرة العقل والبدن ، كقوله تعالى
كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا . . .
[ الأعراف : 31 ] الآية . وفي صحيح البخاري « 1 » تعليقا : كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير إسراف ولا مخيلة . وهذا من هذا - واللّه أعلم - انتهى . وقد جنح إلى هذا المهايمي في تفسيره حيث قال : ولا تسرفوا في أكلها لئلا يبطل ، باستيفاء الشهوات ، معنى المزرعة . ثم بيّن تعالى حال الأنعام ، وأبطل ما تقوّلوا عليه في شأنها بالتحريم والتحليل ، بقوله :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 142 ]

وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 142 )
وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً
أي : وأنشأ لكم من الأنعام ما يحمل الأثقال ، وما يفرش للذبح ( أي : يضجع ) أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش . وعن ابن عباس : الحمولة الكبار التي تصلح للحمل ، والفرش الصغير كالفصلان والعجاجيل والغنم ؛ لأنها دانية من الأرض ، للطافة أجرامها ، مثل الفرش المفروش عليها . فعلى الوجهين الأولين : الفرش بمعنى المفروش ، وعلى الثالث : الكلام على التشبيه .
كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
أي : من الثمار والزروع والأنعام ، لحفظ الروح ، واستزادة القوة .
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
أي : أوامره في التحليل والتحريم ، كما اتبعها
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : اللباس ، 1 - باب قوله تعالى :قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ.
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 508 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود