تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
حالية ، لأنه إنما يحسن فيما قصد الإعلام بتحققه البتة ، والرد على منكر تحقيقا أو تقديرا ( على ما بين في المعاني ) ، والحال الواقع في الأمر والنهي مبناه على التقدير ، كأنه قيل : لا تأكلوا منه إن كان فسقا ، فلا يحسن ( وإنه لفسق ) بل ( وهو فسق ) وأجيب عن الأول بأنه دخل بقوله :
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
وبقوله :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ
. . . إلخ الميتة ، فيتحقق أن هذا النهي مخصوص بما ذبح على النصب ، أو مات حتف أنفه . وعن الثاني بأنه لما كان المراد بالفسق هاهنا الإهلال لغير اللّه ، كان التأكيد مناسبا ، كأنه قيل : لا تأكلوا منه إذا كان هذا النوع من الفسق الذي الحكم به متحقق ، والمشركون ينكرونه - كذا في العناية - . ومما يقويه أيضا قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
على أن المراد به الخروج عن طاعة اللّه تعالى ، وهو وجه ثان فيه ، وقوله تعالى :
إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
فإن من أكل الميتة ، أو ما ذبح على النصب فسق ، ومع الاستحلال يكفر ، بخلاف ما ذبحه المسلم ولم يسمّ عليه ، فإن آكله لا يفسق ولا يكفر إجماعا - أشار له الرازيّ - وحينئذ فلا دلالة في الآية على تحريم ذبيحة المسلم التي تركت التسمية عليها ، عمدا أو سهوا . و قد روى أبو داود في ( مراسيله ) عن الصلت السدوسي قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ذبيحة المسلم حلال ، ذكر اسم اللّه أو لم يذكره ، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم اللّه . قال الحافظ ابن كثير : وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطنيّ عن ابن عباس أنه قال : إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم اللّه ، فليأكل ، فإن المسلم في اسم من أسماء اللّه تعالى . و احتج البيهقي أيضا بحديث عائشة رضي اللّه عنها أن قوما قالوا للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم اللّه عليه أم لا ، فقال : سموا عليه أنتم وكلوه . قالت : وكانوا حديثي عهد بكفر - رواه البخاري « 1 » والنسائيّ - قال : فلو كان وجود التسمية شرطا لم يرخص لهم إلا مع تحققها . وكذا قال الخطابي : فيه دليل على أن التسمية غير شرط على الذبيحة ، لأنها لو كانت شرطا لم تستبح الذبيحة بالأمر المشكوك فيه ، كما لو عرض الشك في نفس الذبيحة ، فلم يعلم هل وقعت الذكاة المعتبرة أم لا ؟ وهذا هو المتبادر من سياق الحديث ، حيث وقع
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الذبائح والصيد ، 21 - باب ذبيحة الأعراب ونحوهم ، حديث 1038 .