وتنسبون النجاة الحاصلة بعد تخصيصه بالدعوة ، إلى شفاعة الشريك ، فقد جعلتم الشرك مكان الشكر .
تنبيهات :
الأول - ما قدمناه من أن ظلمات
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
مجاز عن مخاوفها وأهوالها ، هو ما قاله المحققون .
قال الرازي ومنهم من حمله على حقيقته فقال : أما ظلمات البحر ، فهي أن تجتمع ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة السحاب ، ويضاف الرياح الصعبة ، والأمواج الهائلة إليها ، فلم يعرفوا كيفية الخلاص ، وعظم الخوف ، وأما ظلمات البر ، فهي ظلمة الليل ، وظلمة السحاب ، والخوف الشديد من هجوم الأعداء والخوف الشديد من عدم الاهتداء إلي طريق الصواب . والمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد ، لا يرجع الإنسان إلا إلى اللّه تعالى . وهذا الرجوع يحصل ظاهرا وباطنا ، لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة اللّه تعالى . وينقطع رجاؤه عن كل ما سوى اللّه تعالى . وهو المراد من قوله
تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
. فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة ، والخلقة الأصلية في هذه الحالة ، بأنه لا ملجأ إلا اللّه ، ولا تعويل إلا على فضل اللّه ، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات . ولكنه ليس كذلك ، فإن الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة . يحيل تلك السلامة إلى الأسباب ، ويقدم على الشرك . ومن المفسرين من يقول : المقصود من هذه الآية الطعن في إلهية الأصنام والأوثان .
ثم قال الرازيّ رحمه اللّه ، وأنا أقول : التعلق بشيء مما سوى اللّه في طريق العبودية ، يقرب من أن يكون تعلقا بالوثن ، ولذلك فإن أهل التحقيق يسمونه بالشرك الخفيّ . انتهى .
الثاني - قال بعض المفسرين : دل قوله تعالى :
تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
على أن دعاء السرّ أفضل . قيل : وكان جهر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالدعاء ليعلّم غيره . انتهى .
وهذا بناء على أن قوله تعالى :
تَضَرُّعاً
تذللا ، لا جهرا . وكثير من المفسرين ذهب إلى أن المعنى جهرا وسرا ، ولعله الصواب . فإن العيان يؤيده ، إذ لا يتمالك من اشتد عليه الأمر ، وأظلم عليه طريق الخلاص ، على الاقتصار على دعاء السر وحده - واللّه أعلم - .
وفي القاموس وشرحه : تضرع إلى اللّه تعالى ، أي : ابتهل وتذلل . وقيل : أظهر