تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
حين قدم عليه أولئك النفر من مضر ، وهم مجتابو النمار ( أي من عريهم وفقرهم ) قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
حتى ختم الآية . ثم قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
[ الحشر : 18 ] . ثم حضهم على الصدقة فقال : تصدق رجل من ديناره . من درهمه . من صاع بره . من صاع تمره . وذكر تمام الحديث . وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة . وفيها : ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
الآية .
وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
أي من نفسها . يعني من جنسها ليكون بينهما ما يوجب التآلف والتضامّ . فإن الجنسية علة الضم . وقد أوضح هذا بقوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ الروم : 21 ] ،
وَبَثَّ مِنْهُما
أي نشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها ، بطريق التوالد والتناسل .
رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
أي كثيرة . وترك التصريح بها للاكتفاء بالوصف المذكور
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
تكرير للأمر وتذكير لبعض آخر من موجبات الامتثال به . فإن سؤال بعضهم بعضا باللّه تعالى بأن يقولوا : أسألك باللّه وأنشدك اللّه ، على سبيل الاستعطاف ، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه . وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة وإدخال الروعة . ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته . و
تَسائَلُونَ
أصله تتساءلون . فطرحت إحدى التاءين تخفيفا . وقرئ بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس . وقرئ تسألون ( من الثلاثيّ ) أي تسألون به غيركم . وقد فسر به القراءة الأولى والثانية . وحمل صيغة التفاعل على اعتبار الجمع . كما في قولك رأيت الهلال وتراءيناه - أفاده أبو السعود - وقوله تعالى
وَالْأَرْحامَ
قرأ حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور . والباقون بالنصب عطفا على الاسم الجليل . أي اتقوا اللّه والأرحام أن تقطعوها . فإن قطيعتها مما يجب أن يتقى . أو عطفا على محل الجار والمجرور . كقولك مررت بزيد وعمرا . وينصره قراءة
تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
فإنهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة باللّه عز وجل .
هامش
حسن الوجه وإشراقه ) . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء . ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » .