وكل هذا مما تشمله الآية بعمومها . وما نقله السمرقنديّ وغيره عن الفراء في قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
أن
إِلَّا
بمعنى ( لا ) يعني : ولا من ظلم - فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه : فإن الآية صريحة في أنه يجوز للمظلوم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه . ويؤيده
الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 1 » وأبو داود والنسائيّ وابن ماجة والحاكم ، عن الشريد بن سويد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « 2 » : ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته .
وأما من لم يظلم فجهره بالسوء داخل في الغيبة المحظورة .
فوائد :
قال بعض مفسري الزيدية : أفادت الآية جواز الجهر بالدعاء على الظالم والجهر بمساويه . ودلت على أن من جهر بكلمة الكفر مكرها ، لم يكفر . لأنه مظلوم . وإذا ثبت بطلان حكم لفظ ( الكفر ) مع الظلم ، فكذا يلزم في سائر الأحكام من البيع والعتاق والطلاق والإقرار . ثم قال : والمحبة هاهنا بمعنى الإباحة . لا أن ذلك يريده اللّه تعالى .
أقول : هذه نزغة اعتزالية .
ثم قال : وتسميته سوءا ، لكونه يسوء المقول فيه . وإلا فليس بقبيح في هذه الحال .
ثم قال : وقول من قال ( إلا ) هنا بمعنى ( الواو ) أي : ومن ظلم ، مثل :
وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان
فخلاف الظاهر . انتهى .
وقد نقل في معنى هذه الآية حكم ونوادر بديعة . قال الشعبيّ : يعجبني الرجل إذا سيم هونا ، دعته الأنفة إلى المكافأة . وجزاء سيئة سيئة مثلها ، فبلغ كلامه الحجاج فقال : للّه دره ! أي رجل بين جنبيه ! وتمثل :
ولا خير في عرض امرئ لا يصونه * ولا خير في حلم امرئ ذل جانبه
وقال أعرابيّ لابن عباس رضي اللّه عنهما : أتخاف عليّ جناحا إن ظلمني رجل
هامش
( 1 ) أخرجه في المسند 4 / 222 .
( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الاستقراض ، 13 - باب لصاحب الحق مقال .