يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ
أي مقتضى إيمانكم المبالغة والاجتهاد في القيام بالعدل والاستقامة . إذ به انتظام أمر الدارين الموجب لثوابهما .
ومن أشده القيام بالشهادة على وجهها . فكونوا
شُهَداءَ لِلَّهِ
أي : مقيمين للشهادة بالحق ، مؤدين لها لوجهه تعالى ، ولو كانت الشهادة
عَلى أَنْفُسِكُمْ
فاشهدوا عليها بأن تقروا بالحق عليها ولا تكتموه
أَوِ
على
الْوالِدَيْنِ
أي الأصول
وَالْأَقْرَبِينَ
أي الأولاد والإخوة وغيرهم . فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم .
فإن الحق حاكم على كل أحد
إِنْ يَكُنْ
أي : من تشهدون عليه
غَنِيًّا
يبتغي في العادة رضاه ويتقي سخطه
أَوْ فَقِيراً
يترحم عليه غالبا . أو يخاف من الشهادة عليه أن يلجئ الأمر إلى أن يعطي ما يكفيه
فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
أي : من المشهود عليه ، واعلم بما فيه صلاحهما . فلو لا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها . لأن أنظر لعباده من كل ناظر
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا
أي : إرادة العدول عن أمر اللّه الذي هو مصلح أموركم ، وأمور المشهود عليهم ، لو نظرتم ونظروا إليه .
قال ابن كثير : أي : لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم ، على ترك العدل في شؤونكم . بل الزموا العدل على أي حال كان . كما قال تعالى :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
[ المائدة : 8 ] ومن هذا قول عبد اللّه بن رواحة « 1 » ، لما بعثه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم ، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم ، فقال : واللّه ! لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليّ . ولأنتم أبغض إليّ من أعدائكم من القردة والخنازير . وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم . فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض
وَإِنْ تَلْوُوا
أي : تحرفوا ألسنتكم عن الشهادة على وجهها
أَوْ تُعْرِضُوا
أي : عنها بكتمها
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
فيجازيكم على ذلك . قال تعالى :
وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
[ البقرة : 283 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 3 / 367 ، ونصه : عن جابر بن عبد الله أنه قال : أفاء الله عز وجل خيبر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأقرّهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما كانوا . وجعلها بينه وبينهم . فبعث عبد الله ابن رواحة فخرصها عليهم . ثم قال لهم : يا معشر اليهود ! أنتم أبغض الخلق إليّ . قتلتم أنبياء الله عز وجل ، وكذبتم على الله . وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم . قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر . فإن شئتم فلكم ، وإن أبيتم فلي . فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض . قد أخذنا فأخرجوا عنا .