تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
حكم فالأمر باتباعه يكون في مأخذ ذلك الوصف . فإذا قيل اقتد بالمصلي فالمراد في صلاته . فكذا سبيل المؤمنين ، يعني به سبيلهم في الإيمان ، لا غير . فلا دلالة في الآية على اتباعهم في غيره . وردّ بأنه تخصيص بما يأباه الشرط الأول . ثم إنه إذا كان مألوف الصائمين الاعتكاف ، تناول الأمر باتباعهم ذلك أيضا . فكذلك يتناول ما هو مقتضى الإيمان فيما نحن فيه . فسبيل المؤمنين ، وإن فسر بما هم عليه من الدين ، يعمّ الأصول والفروع ، الكل والبعض . على أن الجزاء مرتب على كل من الأمرين المذكورين في الشرط ، لا على المجموع . للقطع بأن مجرد مشاقة الرسول كافية في استحقاق الوعيد ، معنى على أن ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع لغير سبيل المؤمنين . لأن المكلف لا يخلو من اتباع سبيل ، البتة . انتهى . ورأيت للإمام تقيّ الدين بن تيمية في كتابه ( الفرقان بين الحق والباطل ) مقالة بديعة في هذه الآية والإجماع . أجال فيها جواد قلمه وأجاد . وأطال وأطاب . قال رحمه اللّه : ما يسميه ناس الفروع والشرع والفقه ، فهذا قد بينه الرسول أحسن بيان . فما بقي مما أمر اللّه به أو نهى عنه أو حلله أو حرمه إلا بيّن ذلك . وقد قاله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
[ المائدة : 3 ] . وقال تعالى :
ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[ يوسف : 111 ] . وقال تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
[ النحل : 89 ] . وقال تعالى :
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
[ الشورى : 10 ] . وقال تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
[ التوبة : 115 ] . فقد بيّن للمسلمين جميع ما يتقونه . كما قال :
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ
[ الأنعام : 119 ] . وقال تعالى :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[ النساء : 59 ] . وهو الردّ إلى كتاب اللّه ، أو إلى سنة الرسول ، بعد موته . وقوله
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ
شرط . والفعل نكرة في سياق الشرط . فأي شيء تنازعوا فيه ردّوه إلى اللّه والرسول . ولو لم يكن بيان اللّه والرسول فاصلا للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه . وقد جاء عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « 1 » : تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة ، 1 - باب اتباع سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حديث 5 ونصه : عن أبي الدرداء قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونحن نذكر الفقر ونتخوّفه ، فقال « الفقر تخافون ؟