تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
قال الرازيّ : أصل هذه الكلمة من الانقياد . قال اللّه تعالى :
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ البقرة : 131 ] . والإسلام إنما سمّي إسلاما لهذا المعنى . وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب . وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى . لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه . ومعنى الآية : ادخلوا في الاستسلام والطاعة . أي : استسلموا للّه وأطيعوه ولا تخرجوا عن شيء من شرائعه
كَافَّةً
حال من الضمير في ( ادخلوا )
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
أي : طرقه التي يأمركم بها ف :
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 169 ] و :
إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
[ فاطر : 6 ] وضمّ الطاء من ( خطوات ) وإسكانها لغتان : حجازية وتميمية . وقد قرئ بهما في السبع .
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
. ظاهر العداوة أو مظهر لها . أي : بما أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم عليه السلام وغيره ، مما شواهده ظاهرة .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 209 ]

فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 )
فَإِنْ زَلَلْتُمْ
أي : عن الدخول في السلم
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ
أي : الآيات الظاهرة على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحقّ
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
غالب لا يعجزه الانتقام ممّن زلّ ولا يفوته من ضلّ
حَكِيمٌ
لا ينتقم إلّا بحقّ . وقوله
فَاعْلَمُوا . . .
إلخ نهاية في الوعيد . لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب . وربّما قال الوالد لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي . فيكون هذا الكلام - في الزجر - أبلغ من ذكر الضرب وغيره . فظهر تسبب الجزاء في الآية بما أشعر به من الزجر والتهديد على الشرط المشير إلى ذنبهم وجرمهم . هذا ، ومن الوجوه المحتملة في الآية ، أن يكون ( السلم ) المذكور فيها معناه الصلح والمسالمة وترك المنازعة والاختلاف . فمعنى
ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
كونوا متوافقين ومجتمعين في نصرة الدين ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس . فتكون الآية حينئذ كقوله تعالى :
وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
[ الأنفال : 46 ] ، وقوله :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً