تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً
أي مخلصا للعبادة ( عن الشعبيّ ) أو خادما يخدم في متعبداتك ، حرره جعله نذيرا في خدمة المعبد ما عاش ، لا يسعه تركه في دينه ( عن الزجاج ) . وفي الآية دلالة على صحة نذر الأم بولدها ، وأن للأم الانتفاع بالولد الصغير لمنافع نفسها ، لذلك جعلته للغير . والمعنى : نذرته وقفا على طاعتك ، لا أشغله بشيء من أموري . قال أبو منصور في ( التأويلات ) : جعلت ما في بطنها للّه خالصا لم تطلب منه الاستئناس به ولا ما يطمع الناس من أولادهم ، وذلك من الصفوة التي ذكر عزّ وجلّ . وهكذا الواجب على كل أحد إذا طلب ولدا أن يطلب للوجه الذي طلبت امرأة عمران وزكريا حيث قال :
رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
[ آل عمران : 38 ] ، وما سأل إبراهيم
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
[ الصافات : 100 ] ، وكقوله :
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
[ الفرقان : 74 ] ، هكذا الواجب أن يطلب الولد ، لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم - انتهى - .
فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
أي تقبل مني قرباني وما جعلت لك خالصا ، والتقبل أخذ الشيء على وجه الرضا .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 36 ]

فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 36 )
فَلَمَّا وَضَعَتْها
الضمير لما في بطني ، وإنما أنث على المعنى ، لأن ما في بطنها كان أنثى في علم اللّه ، أو على تأويل النفس أو النسمة
قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى
أي وكنت رجوت أن يكون ذكرا ، وإنما تحسرت أو اعتذرت إذ جهلت قدرها
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ
قرئ في السبع بسكون التاء وضمها ، فعلى القراءة الأولى تكون الجملة المعترضة من كلامه تعالى إما لدفع ما يتراءى من أن قولها
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى
قصدت بها إعلام اللّه تعالى عن أن يحتاج إلى إعلامها ، فأزيلت الشبهة بقوله :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ
هذا ما يتراءى لي . وإما لما ذكروه من أن الاعتراض تعظيم من جهته تعالى لموضوعها ، وتفخيم لشأنه ، وتجهيل لها بقدره ، أي واللّه أعلم بالنفس التي وضعتها ، وما علق بها من عظائم الأمور ، وجعلها وابنها آية للعالمين ، وهي غافلة عن ذلك . وعلى القراءة الثانية أعني ضم التاء ، فالاعتراض من كلامها . إما للوجه الأول من الوجهين السابقين كما استظهرته ، أو لما ذكروه من