بالشفاعة أولا . ثم يقال له : ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع . وقال « 1 » له أبو هريرة : « من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال : من قال : لا إله إلّا اللّه خالصا من قلبه »
. فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن اللّه . ولا تكون لمن أشرك باللّه . وحقيقته أن اللّه سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ، ليكرمه وينال المقام المحمود . فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك . ولهذا أثبتت الشفاعة بإذنه في مواضع . وقد بين النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص .
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم . لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسّه . وما علمه أيضا . فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه
وَما خَلْفَهُمْ
وهو ما لم ينله علمهم . لأن الخلف هو ما لا يناله الحسّ . فأنبأ أنّ علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا .
أفاده الحرّاليّ . فهذه الجملة كقوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ *
[ الأنعام :
73 ] ،
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
أي لا يعلمون شيئا من معلوماته إلّا بما أراد أن يعلمهم به منها على ألسنة الرسل . كما قال تعالى :
فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
[ الجن : 26 - 27 ] . أي ليكون ما يطلعه عليه من علم غيبه دليلا على نبوته .
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
روى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المعنيّ بالكرسيّ العلم . وذلك لدلالة قوله تعالى :
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
أي لا يؤوده حفظ ما علم وأحاط به مما في السماوات والأرض . وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم :
رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً
[ غافر : 7 ] ، فأخبر أن علمه وسع كل شيء ، فكذلك قوله :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
قال ابن جرير : وقول ابن عباس هذا يدل على صحة ظاهر القرآن لما ذكر . ولأن أصل الكرسيّ العلم . ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب : كراسة . ومنه قول الراجز في صفة قانص حتى إذا ما احتازها تكرّسا يعني علم ، ومنه يقال للعلماء : الكراسيّ . لأنهم المعتمد عليهم . كما يقال :
أوتاد الأرض . يعني أنهم الذي تصلح بهم الأرض . ومنه قول الشاعر :
هامش
( 1 )
أخرجه البخاريّ في : العلم ، 33 - باب الحرص على الحديث ونصه : عن أبي هريرة أنه قال : يا رسول الله ! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « لقد ظننت يا أبا هريرة ، أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ، لما رأيت من حرصك على الحديث . أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه »
.