تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
ليس مقصودهم ، بذكر ذلك ، النقض على ما نحن فيه ، بل النظر في معاني آيات على استقلالها : ألا ترى أن قوله :
لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
، أعقب بقوله :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
[ الزمر : 54 ] الآية . وفي هذا تخويف عظيم مهيج للفرار من وقوعه . وما تقدم من السبب في نزول الآية يبين المراد ، وأن قوله : لا تقنطوا ، ورافع لما تخوفوه من عدم الغفران لما سلف . وقوله :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] نظر في معنى آية في الجملة ، وما يستنبط منها . وإلا فقوله : أو لم تؤمن ، تقرير فيه إشارة إلى التخويف أو لا يكون مؤمنا . فلما قال : بلى . حصل المقصود . وقوله :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
[ آل عمران : 135 ] ، كقوله :
لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[ الزمر : 53 ] . وقوله :
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
[ النساء : 110 ] داخل تحت أصلنا . لأنه جاء بعد قوله :
وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
[ النساء : 105 ] .
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
إلى قوله :
فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
[ النساء : 107 - 109 ] . وقوله
إِنْ تَجْتَنِبُوا
[ النساء : 31 ] آت بعد الوعيد على الكبائر في أول السورة إلى هنالك . كأكل مال اليتيم والحيف في الوصية وغيرهما . فذلك مما يرجى به تقدم التخويف . وأما قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
[ النساء : 40 ] ، فقد أعقب بقوله
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا
الآية . وتقدم قبلها قوله :
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
، إلى قوله :
عَذاباً مُهِيناً
. بل قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
، جمع التخويف مع الترجية . وكذلك قوله :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ . . .
[ النساء : 64 ] الآية . تقدم قبلها وأتى بعدها تخويف عظيم . فهو مما نحن فيه . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ . . . *
[ النساء : 48 ] الآية . جامع للتخويف والترجية من حيث قيد غفران ما سوى الشرك بالمشيئة . ولم يرد ابن مسعود بقوله : ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها ، أنها آيات ترجية خاصة . بل مراده ، والله أعلم ، أنها كليات في الشريعة محكمات . قد احتوت على علم كثير ، وأحاطت بقواعد عظيمة في الدين . ولذلك قال : ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها ما يعرفونها .