تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
[ المنافقون : 1 ] تصحيحا لظاهر القول . وقال :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
إبطالا لما قصدوا فيه . وقال تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ الزمر : 67 ] الآية ، وسبب نزولها ما خرجه الترمذيّ وصححه عن ابن عباس ، قال : مر يهوديّ بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : حدثنا يا يهودي ! فقال : كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه ( وأشار الراوي بخنصره أولا ثم تابع حتى بلغ الإبهام ) فأنزل الله
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ *
. وفي رواية أخرى : جاء يهودي إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا محمد ! إن الله يمسك السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال على إصبع ، والخلائق على إصبع ، ثم يقول : أنا الملك ! فضحك النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى بدت نواجذه . قال :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ *
. و في رواية فضحك النبي صلى اللّه عليه وسلم تعجبا وتصديقا . والحديث الأول كأنه مفسر لهذا ، وبمعناه يتبين معنى قوله :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ *
فإن الآية بينت أن كلام اليهوديّ حق في الجملة ، وذلك قوله :
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
وأشارت إلى أنه لم يتأدب مع الربوبية وذلك - والله أعلم - لأنه أشار إلى معنى الأصابع بأصابع نفسه ، وذلك مخالف للتنزيه للباري سبحانه ، فقال :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ *
. وقال تعالى :
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ
[ التوبة : 61 ] أي يسمع الحق والباطل ، فرد الله عليهم فيما هو باطل وأحق الحق ، فقال :
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
[ التوبة : 61 ] الآية ، ولما قصدوا الأذيّة بذلك الكلام قال تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ التوبة : 61 ] . وقال تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ
[ يس : 47 ] فهذا منهم امتناع عن الإنفاق بحجة ، قصدهم فيها الاستهزاء ، فرد عليهم بقوله :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ يس : 47 ] لأن ذلك حيد عن امتثال الأمر . وجواب « أنفقوا » أن يقال : « نعم أو لا » وهو الامتثال أو العصيان . فلما رجعوا إلى الاحتجاج على الامتناع بالمشيئة المطلقة التي لا تعارض ، انقلب عليهم من حيث لم يعرفوا . إذ حاصلهم أنهم اعترضوا على المشيئة المطلقة بالمشيئة المطلقة ، لأن الله شاء أن يكلفهم الإنفاق ، فكأنهم قالوا : كيف يشاء الطلب منا ، ولو شاء أن يطعمهم لأطعمهم ، وهذا عين الضلال في نفس الحجة . وقال تعالى :
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ
[ الأنبياء : 78 ] إلى قوله :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً