تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
فصار هذا من النمط الأول . ومن أمثلة هذا القسم جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقّا . كحكايته عن الأنبياء والأولياء . ومنه قصة ذي القرنين ، وقصة الخضر مع موسى عليه السلام ، وقصة أصحاب الكهف . وأشباه ذلك .

ثم قال الشاطبيّ : فصل

ولا طّراد هذا الأصل اعتمده النظار . فقد استدل جماعة من الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بالفروع بقوله تعالى :
قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ . . .
[ المدثر : 43 - 44 ] الآية ، إذ لو كان قولهم باطلا لردّ عند حكايته . واستدل على أن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم بأن الله تعالى لما حكى من قولهم إنهم ثلاثة رابعهم كلبهم وإنهم خمسة سادسهم كلبهم ، أعقب ذلك بقوله
رَجْماً بِالْغَيْبِ
[ الكهف : 22 ] ، أي ليس لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن . ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئا ، ولما حكى قولهم سبعة وثامنهم كلبهم لم يتبعه بإبطال ، بل قال :
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ
[ الكهف : 22 ] ، دلّ المساق على صحته دون القولين الأولين . وروي عن ابن عباس أنه كان يقول : أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم . ورأيت منقولا عن سهل بن عبد الله أنه سئل عن قول إبراهيم عليه السلام :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] ، فقيل له : أكان شاكّا حين سأل ربه أن يريه آية ؟ فقال : لا ، وإنما كان طلب زيادة إيمان إلى إيمان . ألا تراه قال :
أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى
[ البقرة : 260 ] ، فلو علم منه شكا لأظهر ذلك ، فصح أن الطمأنينة كانت على معنى الزيادة في الإيمان . بخلاف ما حكى الله عن قوم من الأعراب في قوله :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا
[ الحجرات : 14 ] فإن الله تعالى رد عليهم بقوله :
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] . ومن تتبع مجاري الحكايات في القرآن ، عرف مداخلها وما هو منها حق مما هو باطل . فقد قال تعالى :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
[ المنافقون : 1 ] ، إلى آخرها ، فإن هذه الحكاية ممزوجة الحق بالباطل ، فظاهرها حق وباطنها كذب ، من حيث كان إخبارا عن المعتقد ، وهو غير مطابق ، فقال تعالى :