الله صلّى اللّه عليه وسلّم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، ثم صرفنا نحو الكعبة .
و
روى الشيخان « 1 » ابن عمر قال : بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أنزل عليه الليلة قرآن . وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة . ( اللفظ لمسلم ) .
والأحاديث في تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة متوافرة . وفيما ذكرنا كفاية .
وقد أعلم الله تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين أن فريقا من الناس سينكرون تغيير القبلة وسماهم سفهاء ، جمع سفيه . وهو الخفيف الحلم والأحمق والجاهل . قال أبو السعود : أي الذين خفّت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن التدبر والنظر .
انتهى . ومعنى قوله
ما وَلَّاهُمْ
أي أيّ شيء صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، أي ثابتين على التوجه إليها ، وهي بيت المقدس . ومدار الإنكار ، إن كان القائلون هم اليهود ، كراهتهم للتحويل عنها لأنها قبلتهم . وإن كان غيرهم ، فمجرد القصد إلى الطعن في الدين والقدح في أحكامه . وقد روي عن ابن عباس : أن القائلين هم اليهود ، وعن الحسن أنهم مشركو العرب . وعن السدّيّ أنهم المنافقون .
قال الراغب : ولا تنافي بين أقوالهم فكلّ قد عابوا ، وكلّ سفهاء .
( تنبيه ) ظاهر قوله تعالى :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ
إلخ أنه إخبار بقولهم المذكور .
ثم إن الإخبار قبل وقوعه . وفائدته توطين النفس وإعداد ما يبكتهم ، فإن مفاجأة المكروه على النفس أشق وأشد . والجواب العتيد لشغب الخصم الألد أردّ ، مع ما فيه من دلائل النبوة حيث يكون إخبارا عن غيب ، فيكون معجزا
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
جواب عن شبهتهم . وتقريره أن الجهات كلها للّه ملكا . فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة . بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة ، فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى أخرى . وما أمر به فهو الحق
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
فيه تعظيم أهل الإسلام وإظهار عنايته تعالى بهم وتفخيم شأن الكعبة . كما فخمه بإضافته إليه في قوله تعالى :
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ
[ الحج : 26 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الصلاة ، 32 - باب ما جاء في القبلة . وأخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 13 .