وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
لما ذكر تعالى حسن طريقة الأنبياء المتقدمين ، ولم يدع لهم متمسكا من جهتهم ، أتبع ذلك الإشارة إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان . وأنه لا ينفعهم إلا ما يستجدّونه بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض ، أحمرهم وأسودهم . . . أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة . فلها ما كسبت . وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم . ولا تسألون إلا عن عملكم .
قال الراغب : إعادة هذه الآية من أجل أن العادة مستحكمة في الناس ، صالحهم وطالحهم أن يفتخروا بآبائهم ويقتدوا بهم في متحرياتهم لا سيما في أمور دينهم .
ولهذا حكى عن الكفار قولهم
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ
[ الزخرف : 22 ] . فأكد الله تعالى القول في إنزالهم عن هذه الطريقة . وذكر في أثر ما حكى من وصية إبراهيم ويعقوب بنيه بذلك ، تنبيها أن الأمر سواء على ما قلت أو لم يكن . فليس لكم ثواب فعلهم ولا عليكم عقابه . وفي الثاني لما ذكر ادعاءهم اليهودية والنصرانية لآبائهم أعاد أيضا تأكيدا عليهم تنبيها على نحو ما قال :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
[ الإسراء : 13 ] ، وقوله
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
[ البقرة : 286 ] ، وقوله
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
[ الأنعام : 164 ] ولما جرت به عادتهم وتفردت به معرفتهم : كل شاة تناط برجليها .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 142 ]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 )
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
روى البخاريّ في صحيحه « 1 » عن البراء رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت . وأنه صلى أول صلاة صلاها ، صلاة العصر وصلّى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مكة . فداروا ، كما هم ، قبل البيت .
و
روى مسلم « 2 » : عن البراء رضي الله عنه نحو ما تقدم ولفظه : صلينا مع رسول
هامش
( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، سورة البقرة ، 12 - بابسَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ . ..
( 2 ) أخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 12 .