القرآن -
أَوْ نُنْسِها
أي : نذهبها من القلوب - كما أخبر بقوله
وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
[ المائدة : 13 ] - وقرئ ( أو ننسأها ) أي نؤخرها ونتركها بلا نسخ ، كما أبقى كثيرا من أحكام التوراة في القرآن . وعلى هذه القراءة ، فقد نشر على ترتيب هذا اللف قوله
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
أي : من المنسوخة المبدلة - كما فعل في الآيات التي شرعت في الملّة الحنيفية ما فيه اليسر ، ورفع الحرج ، والعنت - فكانت خيرا من تلك الآصار والأغلال . وقوله
أَوْ مِثْلِها
أي : مثل تلك الآيات الموحاة قبل ، كما يرى في كثير من الآيات في القرآن الموافقة لما بين يديها مما اقتضت الحكمة بقاءه واستمراره .
قال الراغب : فإن قيل : إن الذي ترك ولم ينسخ ليس مثله بل هو هو ، فكيف قال « بمثلها » ؟ قيل : الحكم الذي أنزل في القرآن - وكان ثابتا في الشرع الذي قبلنا - يصحّ أن يقال هو هو ، إذا اعتبر بنفسه ولم يعتبر بكسوته - التي هي اللفظ . ويصح أن يقال هو مثله إذا لم يعتبر بنفسه فقط بل اعتبر باللفظ . ونحو ذلك أن يقال : ماء البئر هو ماء النهر - إذا اعتبر جنس الماء ، وتارة يقال : مثل ماء النهر - إذا اعتبر قرار الماء .
على أنّ إرادة العين بالمثل شائعة - كما في قولهم : مثلك لا يبخل -
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فهو يقدر على الخير ، وما هو خير منه ، وعلى مثله في الخير . قال الراغب : أي لا تحسبنّ أنّ تغييري لحكم ، حالا فحالا ، وأني لم آت بالثاني في الابتداء - هو العجز ، فإنّ من علم قدرته على كل شيء لا يظنّ ذلك .
وإنما تغيّر ذلك يرجع إلى مصلحة العباد ، وأنّ الأليق بهم ، في الوقت المتقدّم ، الحكم المتقدّم . وفي الوقت المتأخّر ، الحكم المتأخّر .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 107 ]
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 )
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فهو يملك أموركم ويدبّرها ، وهو أعلم بما يتعبّدكم به من ناسخ أو منسوخ .
وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ
يلي أموركم
وَلا نَصِيرٍ
ناصر يمنعكم من العذاب .
وقضيّة العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة ، هو الجزم والإيقان بأنّه تعالى لا يفعل