تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 79 ]

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 )
فَوَيْلٌ
فإن أضيف ، نصب . نحو : ويلك وويحك - وإذا فصل عن الإضافة ، رفع . نحو : ويل له . الويل : الهلاك وشدة العذاب
لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ
أي المحرّف . أو ما كتبوه من التأويلات الزائفة
بِأَيْدِيهِمْ
تأكيد لدفع توهم المجاز . كقولك : كتبته بيميني . وقد يقال في مثل هذا : إن فائدته تصوير الحالة في النفس كما وقعت حتى يكاد السامع لذلك أن يكون مشاهدا للهيئة
ثُمَّ يَقُولُونَ
لما كتبوه ، كذبا وبهتانا
هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ
أي يأخذوا لأنفسهم بمقابلته
ثَمَناً قَلِيلًا
أي عرضا يسيرا . ويجوز في الآية معنى آخر . أي : فويل للذين يكتبون كتاب التوراة بأيديهم ثم يقولون : هذا من عند الله ، فيشهدون بذلك ، وكان من مقتضى كتابتهم بأيديهم التي تقفهم من الكتاب على ما لا يقفون عليه ، لو كان كتابة غيرهم ، ومقتضى قولهم وإقرارهم بأنه من عند الله - الوقوف مع عهوده ومواثيقه ، إجلالا لمنزله وموحيه ، ودعوى الناس إلى ظواهره وخوافيه . ولكن لم يكن ذلك منهم . بل كان أن حرّفوا كلمه عن مواضعه ليشتروا به ثمنا قليلا . وحاصل هذا الوجه إبقاء الكتاب المكتوب على أصله ، وصدقهم في قولهم : هذا من عند الله . ثم مخالفتهم لذلك . فيكون قوله تعالى
لِيَشْتَرُوا بِهِ
تعليلا لمحذوف دل عليه السياق . أي ثم بعد ذلك يحرفونه ليشتروا به . وهو وجه جيد يوافق آية
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ *
وربما يشير إلى هذا الوجه قول مجاهد فيما رواه ابن جرير : هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله يحرفونه
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ
أي : فشدّة العذاب لهم مما غيرت أيديهم
وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
يصيبون من الحرام والسحت . قال الراغب : إن قيل : لم ذكر
يَكْسِبُونَ
بلفظ المستقبل و
كَتَبَتْ
بلفظ الماضي ؟ قيل : تنبيها على ما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » « 1 » فنبه بالآية أن ما أضلّوه وأثبتوه من التأويلات
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم عن جرير في : العلم ، حديث 15 ونصه : « من سنّ في الإسلام سنة حسنة ، فعمل