تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
تكون المحقرات من الأشياء ومضروبا بها المثل - ليس بموضع للاستنكار والاستغراب . من قبل أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب . وإدناء المتوهّم من المشاهد . فإن كان المتمثّل له عظيما ، كان المتمثّل به مثله . وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك . فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذا ، إلّا أمرا تستدعيه حال المتمثّل له وتستجرّه إلى نفسها ، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضيّة . ألا ترى إلى الحقّ لما كان واضحا ، جليا أبلج . كيف تمثّل له بالضياء والنور ؟ وإلى الباطل لما كان بضدّ صفته ، كيف تمثل له بالظلمة ؟ أفاده الزمخشريّ .
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر تحقيق حقية صدوره عنه تعالى - أي : فأمّا المؤمنون
فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
- كسائر ما ورد منه تعالى - والحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره . وذلك لأن التمثل به مسوق على قضيّة مضربه ، ومحتذى على مثال ما يستدعيه - كما جعل بيت العنكبوت مثل الآلهة التي جعلها الكفّار أندادا لله تعالى - وجعلت أقل من الذباب ، وأخسّ قدرا . وضربت لها البعوضة فما دونها مثلا ، لأنه لا حال أحقر من تلك الأنداد وأقلّ . . . ! فالمؤمنون - الذين عادتهم الإنصاف ، والعمل على العدل والتسوية ، والنظر في الأمور بناظر العقل - إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحقّ الذي لا تمرّ الشبهة بساحته ، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
ممّن غلبهم الجهل على عقولهم ، وغشيهم على بصائرهم - فلا يتفطّنون ، ولا يلقون أذهانهم . أو عرفوا أنّه الحق ، إلّا أنّ حب الرياسة ، وهوى الإلف والعادة ، لا يخليهم أن ينصفوا
فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا
أي : فإذا سمعوه عاندوا ، وكابروا ، وقضوا عليه بالبطلان ، وقابلوه بالإنكار . ولا خفاء في أنّ التمثيل بالبعوضة وبأحقر منها - مما لا تخفى استقامته وصحته على من به أدنى مسكة . ولكنّ ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ، ولا متشبّث بأمارة ولا إقناع ، أن يرمي لفرط الحيرة ، والعجز عن إعمال الحيلة ، بدفع الواضح ، وإنكار المستقيم ، والتعويل على المكابرة والمغالطة - إذا لم يجد سوى ذلك معوّلا .
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
جواب عن تلك المقالة الباطلة ، وردّ لها ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة ، وغاية جميلة ، هي كونه ذريعة إلى هداية المستعدّين للهداية ،