تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى ، فإنّها خلقهم أحياء قادرين مرّة بعد أخرى . وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ، ويتمّ به معاشهم . ومعنى
لَكُمْ
لأجلكم ، ولانتفاعكم . وفيه دليل على أنّ الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل . ولا فرق بين الحيوانات وغيرها . مما ينتفع به من غير ضرر . وفي التأكيد بقوله
جَمِيعاً
أقوى دلالة على هذا .
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
قال أبو العالية الرياحي : استوى إلى السماء أي : ارتفع . نقله عنه البخاريّ في صحيحه « 1 » ، ورواه محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن الربيع بن أنس . وقال البغويّ : قال ابن عباس وأكثر المفسّرين : ارتفع إلى السماء . وقال الخليل ابن أحمد في
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
: ارتفع . رواه أبو عمرو ابن عبد البر في شرح الموطأ ، نقله الذهبيّ في كتاب العلوّ - . وقد استدل بقوله :
ثُمَّ اسْتَوى
على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء ، وكذلك الآية التي في ( حم السجدة ) . وقوله تعالى في سورة ( والنازعات )
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[ النازعات : 30 ] إنما يفيد تأخّر دحوّها ، لا خلق جرمها ، فإنّ خلق الأرض وتهيئتها - لما يراد منها - قبل خلق السماء . ودحوّها بعد خلق السماء . والدحوّ هو البسط ، وإنبات العشب منها ، وغير ذلك . مما فسّره قوله تعالى
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
[ النازعات : 31 ] الآية - وكانت قبل ذلك خربة وخالية . على أنّ « بعد » تأتى بمعنى « مع » كقوله
« عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ
[ القلم : 13 ] أي : مع ذلك ، فلا إشكال . وتقديم الأرض - هنا - لأنها أدل لشدّة الملابسة والمباشرة .
فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
أي : صيّرهن ، كما في آية أخرى
فَقَضاهُنَّ
[ فصلت : 12 ] . ( تنبيه ) قال بعض علماء الفلك : السماوات السبع - المذكورة كثيرا في القرآن - هي هذه السيارات السبع . وإنما خصّت بالذكر - مع أن السيارات أكثر من ذلك - لأنها أكبر السيارات وأعظمها ، على أنّ القرآن الكريم لم يذكرها في موضع واحد - على سبيل الحصر - فلا ينافي ذلك أنها أكثر من سبع . وقال بعض علماء اللغة : إن العرب تستعمل لفظ سبع ، وسبعين ، وسبعمائة للمبالغة في الكثرة . فالعدد إذن غير مراد . ومنه آية
سَبْعَ سَنابِلَ
[ البقرة : 261 ] وآية
وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ
[ لقمان : 27 ] وآية
سَبْعِينَ مَرَّةً
[ التوبة : 80 ]
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : التوحيد ، 22 - باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم .