تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
جواد البلاغة ويحرزون قصبات السبق في مسابقة الأقران بالقصائد والخطب ، والرسائل والمحاورات . وما كانوا يعرفون أسلوبا غير هذه الأوضاع الأربعة ، ولا يتمكنون من إبداعه . فإبداع أسلوب غير أساليبهم على لسان حضرته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو أمّيّ ، عين الإعجاز . ومنها الإخبار بالقصص والأحكام والملل السابقة ، بحيث كان مصدقا للكتب السابقة . ومنها الإخبار بأحوال مستقبلة ، فكلما وجد شيء على طبق ذلك الإخبار ظهر إعجاز جديد . ومنها الدرجة العليا في البلاغة مما ليس مقدورا للبشر . ونحن لما جئنا بعد العرب الأول ، ما كنا لنصل إلى كنه ذلك ، ولكن القدر الذي علمناه أن استعمال الكلمات والتركيبات العذبة الجزلة مع اللطافة وعدم التكلف في القرآن العظيم - أكثر منه في قصائد المتقدمين والمتأخرين . فإنا لا نجد من ذلك فيها قدر ما نجده في القرآن ، وهذا أمر ذوقي يتمكن من معرفته المهرة من الشعراء ، وليس للعامة من الناس ذائقة في هذا الأمر . وأيضا نعلم من الغرابة فيه إنه يلبس المعاني من أنواع التذكير والمخاصمة في كل موضع لباسا يناسب أسلوب السورة ، وتقصر يد المتطاول عن نيله ، وإن كان أحد لا يفهم هذا الكلام فليتأمل إيراد قصص الأنبياء ، في سورة الأعراف ، وهود والشعراء ، ثم لينظر تلك القصص في الصافات ، ثم في الذاريات ليظهر له الفرق . وكذلك تعذيب العصاة وتنعيم المطيعين فإنه يذكر في كل مقام بأسلوب جديد . ويذكر مخاصمة أهل النار في كل مقام بصورة على حدة . والكلام في هذا يطول . وأيضا نعلم إنه لا يتصور رعاية مقتضى المقام ، الذي تفصيله في فن المعاني ، والاستعارات ، والكنايات ، التي تكفل بها فن البيان مع رعاية حال المخاطبين الأميين الذين لا يعرفون هذه الصناعات - أحسن مما يوجد في القرآن العظيم . فإن المطلوب هاهنا أن يذكر في المخاطبات المعروفة التي يعرفها كل من الناس نكتة رائقة للعامة ، مرضية عند الخاصة ، وهذا المعنى كالجمع بين النقيضين .
يزيدك وجه حسنا * إذا ما زدته نظرا
ومن جملة وجوه الإعجاز ما لا يتيسر فهمه لغير المتدبرين في أسرار الشرائع . وذلك أن العلوم الخمسة نفسها . تدل على أن القرآن نازل من عند الله لهداية بني
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 177 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود