تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
المعنى ، فإذا لا يمكن ان يكون طعم في القرآن بمعنى الشرب مطلقا ، ولا يجوز ان يفيد هذا المعنى إلا بالتبع لمعنى الاكل تغليبا له ، فيجعل « طعموا » هنا بمعنى أكلوا الميسر وشربوا الخمر . كتغليب الاكل في كل استعمال في مثل النهي عن أكل أموال اليتامى وعن أكل أموال الناس بالباطل . ولم أر أحدا هدي إلى هذا الايضاح بهذا التدقيق والجناح ما فيه مشقة أو مؤاخذة . أنشد ابن الاعرابي :
ولا قيت من جمل وأسباب حبها * جناح الذي لاقيت من تربها قبل
وقال ابن حلّزة :
أعلينا جناح كندة أن يغ * نم غازيهم ومنا الجزاء
ويفسرونه غالبا بالإثم وهو ما فيه الضرر ، والضرر يكون دينيا ودنيويا ، ولم يستعمل في القرآن الا في حيز النفي بمعنى رفع الحرج والمؤاخذة ومعنى الآية على رأي الجمهور
« لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
من الاحياء والميتين ، والشاهدين والغائبين
« جُناحٌ »
إثم ولا مؤاخذة
« فِيما طَعِمُوا »
اكلوا من الميسر أو شربوا من الخمر فيما مضى قبل تحريمهما - ولا في غير ذلك مما لم يكن محرما ثم حرم
« إِذا مَا اتَّقَوْا »
أي إذا هم اتقوا في ذلك العهد ما كان محرما عليهم - ومنه الاسراف في الاكل والشرب من المباح
« وَآمَنُوا »
بما كان قد نزله اللّه تعالى
« وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
التي كانت قد شرعت كالصلاة والصيام والجهاد
« ثُمَّ اتَّقَوْا »
ما حرمه اللّه تعالى بعد ذلك عند العلم به
« وَآمَنُوا »
بما نزل فيه وفي غيره - كما قال
( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ )
وكما قال
( وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً )
« وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
التي هي من لوازم الايمان ،
« ثُمَّ اتَّقَوْا »
أي ارتقوا عن ذلك فاتقوا الشبهات تورعا وابتعادا عن الحرام ،
« وَأَحْسَنُوا »
أعمالهم الصالحات بان أتوا بها على وجه الكمال ، وتمموا نقصها بنوافل الطاعات
« وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »
فلا يبقى في قلوبهم أثرا من الآثار السيئة التي وصف بها الخمر والميسر من الايقاع في العداوة والبغضاء والصد عن ذكر
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 71 | الشيخ محمد رشيد رضا