تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
بلدا بعد آخر فيكلفون من يستضيفونه الذبائح والطعام الكثير ، ثم لا يخرجون إلا مثقلين ، يسألون فيلحفون ، بل يسلبون وينهبون ، فإذا منعوا ما أرادوا انتقموا لأنفسهم بكل ما قدروا عليه من أنواع الانتقام ، أقول : إن الناس يحفظون عنهم شيئا كثيرا من ضروب الايذاء ، ومنه ما يبرزونه في معرض الكرامات والخوارق حدثني غير واحد أن من الفلاحين من قصر في إجابة مطالب بعض الشيوخ عندما نزل وزعنفته به فأحرقوا له جرن ( بيدر ) الحنطة وزعموا أن اللّه أحرقه بغير فعل فاعل كرامة لشيخهم . وحدثت أن بعضهم اتخذ في رأس العلم الذي يحمل فوق رأسه عدسية من الزجاج كان يوجهها من ناحية الشمس إلى الجرن الذي يريد إحراقه من حيث لا يشعر الفلاحون . ويقول إنه يريد التصرف فيه فيقع الحريق فيه ولم يدن أحد منه ، فلا يشك الفلاحون الجاهلون في أن الحريق كان كرامة للشيخ الذي لا حرفة له إلا أكل أموال الناس بالكذب على اللّه تعالى وادعاء الولاية والقرب منه . وهؤلاء الأشرار الضالون هم الذين يشبهون أنفسهم بأهل الصفة ، ويزعمون أن لأكلهم أموال الناس بالباطل أصلا في الكتاب والسنة ، وحاش لكتاب اللّه وسنة رسوله من ذلك ما ذكره الأستاذ الامام من نزول الآية في أهل الصفة هو المروى عن ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي . وعن سعيد بن جبير أنها نزلت في قوم أصابتهم الجراحات في سبيل اللّه تعالى فصاروا زمنى فجعل لهم في أموال المسلمين حقا . والقاعدة الأصولية : أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فكل من اتصف بهذه الصفة من الفقراء كان له حكم من نزلت فيهم الآية من استحقاق الصدقة . وقد رأيت المفسرين أو جزوا في تفسير هذه الصفات فأحببت أن أبسط القول فيها فأقول ( الصفة الأولى ) الاحصار في سبيل اللّه فقوله تعالى
( أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ )
بالبناء للمفعول يدل على أن المراد بالاحصار المانع من الكسب ما كان ترك الكسب فيه بسبب اضطراري ويفهم منه أن حبس النفس في سبيل اللّه أي في الأعمال المشروعة التي تقوم بها المصالح كالجهاد والعلم لا ينبغي أن يمنع الانسان عن الكسب الذي يستطيعه للقيام بأوده بل يطلب منه أن يعمل للمصلحة العامة في أوقات الفراغ من
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 87 | الشيخ محمد رشيد رضا